إختر عدداً من الأرشيف  
الغلاف

وقائع تروي ملاحم الصراع داخل الوطن
قصة مبادرة البطريرك الراعي
لجمع الاربعة الكبار في بكركي
كشفت اوساط موثوق بها ل الصياد عن ان البطريرك بشارة بطرس الراعي، صارح اثناء وجوده في الاعتاب الرسولية البابا بنديكتوس السادس عشر، بهدفه جمع القادة الاربعة الموارنة الكبار، الرئيس السابق للجمهورية الشيخ امين الجميل، ورئيس الحكومة الدستورية السابق العماد ميشال عون والوزير السابق النائب سليمان فرنجيه ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، فور عودته الى بيروت.
وقالت هذه الاوساط ان البطريرك الراعي اوضح لقداسة الحبر الاعظم، ان لقاء بكركي لن يكون للمصالحة بل للمصافحة، لان الاولى هي ترجمة لحوار القلوب والعقول، ولان الثانية تأتي ترجمة للاولى تباعا ولاحقا.
واكدت القيادات الروحية ل الصياد ان ثمة قضايا هامة ودقيقة ومصيرية ينبغي درسها. لان مستقبل الموارنة بصورة خاصة، ومصير المسيحيين في الشرق، سيتقرر على ضوء معالجتها.
وتضيف: ان القادة الاربعة معنيون اكثر من سواهم، بالحوار الدائر في الخفاء وفي العلن بمصير المسيحيين، والادوار والتحديات التي تواجههم، وان من واجب الكنيسة ان تشجع كل منهم، على المجاهرة برأيه، وعلى احترام الرأي الآخر.
واعادت الى الاذهان، ان ما سيفعله البطريرك الراعي، هو انجاز لما بدأ وحاوله الكاردينال بارتولي، موفدا من الحبر الاعظم في العام ١٩٨٧، لتدارك الصراع بين الموارنة، عند وقوع مجزرة اهدن التي ذهب ضحيتها الوزير السابق طوني فرنجيه وزوجته فيرا وطفلته جيهان.
وذكرت ان اللقاء في بكركي سيكون المصافحة الاولى بين النائب سليمان طوني فرنجيه والدكتور سمير جعجع، وان ما بين الاربعة الكبار هو بين اللبنانيين جميعا، لكن ما بين النائب فرنجيه والدكتور جعجع هو مميز عن الجميع بخصوصياته العائلية، وشموليته المزمنة.

اعد صاحب الغبطة ورقة عمل تنطوي على معظم القضايا الحيوية والمصيرية، وفي مقدمتها موضوع المصير المسيحي في الشرق، والتطورات التي يشهدها العالم العربي، وتتضمن التحديات التي تواجههم وقضايا التجنيس والقوانين والمراسيم الصادرة، واسباب عدم تنفيذها، والقمة الروحية المسيحية - الاسلامية التي ستنعقد في ١٢ ايار/مايو المقبل في بكركي، اضافة الى كل القضايا المرتبطة بالوجود المسيحي، وتعزيز العيش الواحد بين المسيحيين والمسلمين، ودور كل سياسي من القادة الاربعة، في الحفاظ على هذه الخصائص في ضوء تحالفاتهم السياسية.
ويشدد البطريرك على اهمية التنوع في القيادة وفي الرأي، والتعدد في المواقف، لان الاصطفاف السياسي في جهة واحدة، خطر داهم مثل خطر الانغلاق والتحجر.

وقائع ودلالات
ومن الوقائع التي رافقت قمة الاربعة الكبار في بكركي، حدوث اول مصافحة بين الحاضرين، عندما دخل النائب فرنجيه اولا، وجلس بين صاحب الغبطة والسادة المطارنة، ثم انضم اليهم الدكتور جعجع، فوقف نائب زغرتا والسادة المطارنة الى جانب البطريرك، ودخل رئيس حزب القوات وصافح الجميع، وكانت المصافحة الاولى بينه وبين فرنجيه، ثم توالى وصول الحضور وفي طليعتهم الرئيس امين الجميل والرئيس العماد ميشال عون.
خلال اللقاء، عبر كل من الحاضرين عن آرائه بحرية وانفتاح، بعد رياضة روحية تخللتها شهادة للحبيس يوحنا خوند الذي خرج من محبسته للمرة الاولى بتفويض خاص من البطريرك الراعي وبطلب منه، وقام بتوزيع مسبحة على كل من الحاضرين، اضافة الى كتاب صلاة.
وفي رأي المراقبين ان اللقاء الماروني الاول، فتح ثغرة في جدار الخلاف الماروني، ورعى اول مصافحة بين جعجع وفرنجيه.
وعلى اي حال، فان خطوة اولى على طريق اعادة الشمل المسيحي قد تمت تحت عباءة بكركي، وان البطريرك الجديد نجح من خلالها في ردم انقسام طويل العهد، كان من اول ثماره، وقف الحرب بين الموارنة، واصدار الدكتور جعجع اوامره بوقف الحرب الاعلامية على المرده، وتشديد كل واحد من القادة الاربعة على تحالفاته السياسية، والتصميم على عقد لقاءات اخرى قريبا، وكلما دعت الحاجة.
واكد البيان الصادر عن المجتمعين انه تمت مقاربة المواضيع المطروحة، انطلاقا من التمييز بين ما هو متفق عليه، ما هو خاضع للتباينات السياسية المشروعة في وطن ديمقراطي يحترم الحريات والفروقات مع المحافظة على وحدة الوطن واحترام ثوابته وصون مصالحه الاساسية.

حروب وعهود
كان الصراع بين الرؤساء السياسيين والقادة الروحيين، من سمات الحياة اللبنانية، وكانت البلاد لا تتسع لقيادتين زمنية وروحية، ففي عهد الرئيس الاستقلالي الاول الشيخ بشارة خليل الخوري، برز الصراع جليا، بين زعيم الحزب الدستوري والمطران يواكيم مبارك، وقد شارك فيه زعماء سياسيون كانوا ينتمون الى النزعة الاستقلالية، وآخرون يتكئون على الجهة المقابلة بزعامة الرئيس اميل اده، وساهم الانتداب الفرنسي في اذكاء الصراع الروحي - السياسي.
وازداد الخلاف ضراوة، بعد الانتخابات النيابية، في العام ١٩٤٧، واعتبرها الشيخ بشارة الخوري، جواز مرور الى تجديد ولايته، وهذا ما جعل الفساد يستشري في طول البلاد وعرضها، خصوصا في عصر السلطان سليم شقيق رئىس الجمهورية، والذي بسط نفوذه على مرافق الدولة، وكانت لا تُقطع شعرة من رأس احد من دون موافقته.
الا ان الوضع تغيّر في العام ١٩٥١، عندها تعثرت عملية تداول السلطة، وبدأت تظهر نواة معارضة سياسية حادة، بقيادة زعماء البلاد قاطبة وفي مقدمتهم الرئيس كميل شمعون والاستاذ كمال جنبلاط في الشوف، وحميد فرنجيه في زغرتا، وعبدالله اليافي وصائب سلام في بيروت، وعبدالله الحاج في الضاحية الجنوبية للعاصمة. الى ان انتهت الازمة ب ثورة بيضاء سار تحت لوائها معظم زعماء المعارضة، ولو سميت ب الجبهة الاشتراكية.
في تلك الحقبة، حاول الرئيس بشارة الخوري، ان يؤلف حكومة برئاسة سامي الصلح او صائب سلام وعضوية سفير لبنان في الامم المتحدة شارل مالك، لكن احدا لم يكن واردا في حسابه، ان يعطي عمرا لمريض ينازع سكرات الموت.
الا ان الثورة البيضاء بقيت هامدة، لان قائد الجيش اللواء الامير فؤاد شهاب، سهر على اجراء انتقال دستوري هادىء، انتخب بموجبه الاستاذ كميل نمر شمعون رئىسا للجمهورية، وقيل يومئذ ان الزعيم الشمالي حميد فرنجيه نام رئيسا للجمهورية وافاقت البلاد على اختيار زعيم الشوف رئيسا، لان النفوذ الانكليزي تفوق على النفوذ الفرنسي.
وقيل ان السفير البريطاني في بيروت سبيرس، مثل دوراً اساسياً في ترجيح كفة كميل شمعون ذي النفوذ الانكليزي على الزعيم الزغرتاوي. ويقال ايضا ان الصراع بين القيادة الروحية ظل نائما ست سنوات، الى ان اتفق الاميركان مع عبد الناصر على اختيار فؤاد شهاب رئيسا للبلاد، في ظل زعامة روحية قوية جسدها البطريرك بولس المعوشي.
بادىء الامر، قامت علاقة ود واحترام بين الرئيس فؤاد شهاب والبطريرك الماروني، قيل ان النائب جان عزيز وهو ابن شقيقة البطريرك المعوشي لعب دوراً اساسياَ في تقويتها، الى ان اعترت علاقاتهما فجوة سياسية تردد ان تفاهم الرئيسين شهاب وعبد الناصر لم يكن بعيدا عنها.
في بداية حقبة الستينات، سافر البطريرك المعوشي الى الولايات المتحدة، مع وصول اول رئيس جمهورية من الاقلية الكاثوليكية، ١٢ مليون انسان في ذلك الوقت، الى الرئاسة الاميركية، مقابل ٢٠٠ مليون بروتستانتي.
وعندما وصل الى واشنطن، كان البطريرك الماروني قد سعى لدى الكرسي الرسولي في روما، الى تأمين استقبال له في البيت الابيض، بواسطة كاردينال بوسطن كوشينغ، الذي ينتمي الرئيس جون كينيدي الى ابرشيته في معقله مدينة بوسطن عاصمة ولاية مساشوستس.
وعندما فاتح الكاردينال الرئيس الاميركي في الموضوع اجاب، انه ليس من عادة الرؤساء الاميركيين استقبال القادة الروحيين من مسلمين او مسيحيين. لكن الكاردينال كوشينغ راح يلح في طلبه على الرئيس كينيدي، فيما كان البطريرك الماروني يلح بدوره عليه، في ان يجد مخرجا يسمح بلقاء بين بطريرك الموارنة واول رئيس جمهورية كاثوليكي في الولايات المتحدة.

المخرج والحل
اخيرا، قرر الرئيس كينيدي لقاء البطريرك المعوشي، لكنه راح يفتش عن الطريقة - المخرج لحل هذه العقدة.
اتصلت دوائر وزارة الخارجية الاميركية، بالقائم باعمال السفارة اللبنانية في واشنطن، وسألته عن موعد وصول السفير اللبناني الجديد الى العاصمة الاميركية، فرد بأن لا موعد محددا له، وهو بانتظار ان يحدد البيت الابيض موعدا لتسلم اوراق اعتماده. وعلى الفور جرى ابلاغ القائم بالاعمال اللبناني سهيل شماس بان الرئيس جون كينيدي سيستقبل السفير اللبناني بعد اسبوع، وسيكون مسرورا ان يستقبله بحضور البطريرك المعوشي الذي يصادف وجوده في واشنطن العاصمة، وطلب موعدا رسميا لمقابلة الرئيس الاميركي.
ويقال ان مترجم الرؤساء الاميركيين في البيت الابيض كميل نوفل، قد مثل دوراً اساسياً في ايجاد هذا المخرج، لانه كان على علاقة جيدة، بالمسؤولين الاميركيين وهو من اصل لبناني.
وفي اليوم المحدد، رتّب كميل نوفل المخرج، وقال للدوائر الرئاسية، ان البطريرك يود ان يهمس كلمتين، في ذهن الرئيس الاميركي، وتم الاتفاق على ان يضع ورقة يكتب عليها ما يريد، في اثناء تقديم الشامبانيا من اجل ان يشرب السفير مع الرئيس كينيدي نخب لبنان.
وكتب البطريرك على قصاصة ورق عبارة واحدة: اذا كان لبنان يهم اميركا، فعليها ان تفعل المستحيل، لمنع تجديد ولاية الرئيس فؤاد شهاب، لان مخاطر جمة ستحدق به من جراء ذلك.
وعندما دعا الرئيس كينيدي البطريرك الى حديقة البيت الابيض، ليشاهدا معا المكان الذي ستزرع فيه الارزة اللبنانية المهداة اليه، عانقه وعقب: قرأنا ما كتبته، وسنحاول ان نحقق لكم مبتغاكم.
بعد البطريرك المعوشي، دخلت الازمة اللبنانية مرحلة انعدام الوزن في ظل رئاسة البطريرك مار انطونيوس بطرس خريش للكرسي الانطاكي. وظلت الحرب تطرق ابواب البلاد، من حادثة بوسطة عين الرمانة، الى الحروب التي كانت تعصف في البلاد وتجتاح العباد، في مختلف المناطق اللبنانية.
في ايام البطريرك خريش، اتسعت الهوة بين زعماء الموارنة، وانتقل الخلاف من صراع بين الحكام، الى خلاف بين الزعماء، مما اودى بالطائفة المارونية بصورة خاصة الى واد سحيق من الصراعات السياسية الحادة، ولا سيما بعد وقوع الحرب بين الميليشيات.
في البدايات وقعت الحرب في وهاد الصراعات المذهبية، بين قوى تنتمي الى اليمين السياسي واخرى تنتسب الى اليسار الفكري على ابواب حرب السنتين بين الدولة والخارجين على الدولة مما ادى الى فرط الجيش اللبناني، بعد تعطيل دوره والحؤول دون استعماله، لفرض الأمن والاستقرار في البلاد. وهذه الفترة بدأت في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس سليمان فرنجيه، يومئذ استولت الميليشيات المسيحية على ثكنات الجيش في ما كان يسمى ب المنطقة الشرقية من العاصمة اللبنانية، وهيمنت الميليشيات الاسلامية، على الثكنات الواقعة تحت ظلال المنظمات الفلسطينية، وقيام جيش لبنان العربي برئاسة الملازم احمد الخطيب بدعم من منظمة فتح الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات والى قيام العميد انطوان بركات الزغرتاوي بحركة تناصر رئيس الجمهورية.
في هذا الوقت، سارعت القوى اللبنانية المؤلفة من حزب الكتائب وحزب الوطنيين الأحرار بزعامة الشيخ بيار الجميل والرئيس كميل شمعون الى تأليف الجبهة اللبنانية في ظل دعم سياسي من رئيس الجمهورية سليمان فرنجيه والرهبانيات اللبنانية برئاسة الأباتي شربل قسيس، وثكنات الجيش في المناطق المسيحية، يقابلها تحالف مؤلف من الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط والهيئات الاسلامية التي صارت تجتمع في دار الفتوى برئاسة المفتي حسن خالد ويجتمع معها ويسيطر عليها السيد ياسر عرفات وقادة المنظمات وفي طليعتهم الدكتور جورج حبش زعيم الجبهة الشعبية والسيد نايف حواتمة الامين العام للجبهة الشعبية القيادة الديمقراطية والسيد احمد جبريل الأمين العام للجبهة القيادة العامة.

بروز الدور السوري
في تلك المرحلة برز الدور السوري على الساحة اللبنانية والدور الاميركي والدور السوفياتي في السيطرة على القوى المتصارعة، وسط رغبة سورية جامحة في الهيمنة على الوضع العام واصرار عرفاتي على قيادة الوضع اللبناني في اتجاه، واصرار سوري على تسلم القيادة منه، بواسطة منظمة الصاعقة برئاسة السيد زهير محسن.
الا ان الحرب على الساحة اللبنانية، تحولت الى حروب على الساحة السياسية، وبدا واضحاً ان الجبهة اللبنانية بقيادة الرئيسين سليمان فرنجيه وكميل شمعون والشيخ بيار الجميل والأباتي شربل القسيس، باتت بحاجة الى السلاح، لتواجه حرب المنظمات فيما ابو اياد الرجل الثاني في حركة فتح يردد بأن طريق فلسطين تمر في جونيه.
ويبدو ان الاثرياء في الطائفة المسيحية، وظفوا امكاناتهم في جمع الاموال لشراء السلاح... وسط انقسام حاد داخل الجيش، وانقسام حاد من جهة اخرى بين القوى المناوئة على الشكل الآتي: سوريا موقفها غامض، تريد الجميع تحت زعامتها السياسية من لبنانيين ويساريين وفلسطينيين، في ظل قيادات خاضعة لنفوذ السيد ياسر عرفات، وهيئات اسلامية وسياسية بزعامة كمال جنبلاط والشيوعيين والقوميين السوريين وابرز وجوههم الاستاذ جورج حاوي الأمين العام للحزب الشيوعي والاستاذ محسن ابراهيم الأمين العام لحركة القوميين العرب المتعاطفة مع الدكتور جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية الفلسطينية.
في تلك الحقبة، حدث الانشطار الكبير داخل السلطة اللبنانية، بعد دخول كوماندوس اسرائيلي الى بيروت في منتصف السبعينات واقدامه على اغتيال ثلاثة من كبار الزعماء الفلسطينيين، هم ابو يوسف النجار، وكمال عدوان وكمال ناصر، ووقوع الخلاف بين رئيس الجمهورية سليمان فرنجيه ورئيس الحكومة صائب بك سلام، الذي طالب باستقالة قائد الجيش، وتكليف الرئيس أمين الحافظ بتشكيل حكومة سقطت على الطريق بين البرلمان والسراي.
وعمد الرئيس فرنجيه الى تأليف حكومة عسكرية برئاسة اللواء نور الدين الرفاعي، لكنها تهاوت على ارض تسودها حروب بين جيش منقسم، ومناطق خاضعة للنفوذ الفلسطيني، وأصبح ياسر عرفات هو الممسك بتلابيب الصراع وسط قوى مسيحية ترى ملاذها في زعامة حزب الكتائب، ومناطق اسلامية يتابع عرفات سيطرته عليها وتعتبر المنظمات الفلسطينية جيش المسلمين.

اين دور بكركي
انتهى عهد سليمان فرنجيه بثلاثة نتائج واحداث كبرى، تركت آثارها على مستقبل البلاد
اولاً: وقوع انقلاب عسكري في العام ١٩٧٦ برئاسة العميد الأول عزيز الأحدب طالب باستقالة رئيس الجمهورية سليمان فرنجيه، تبين لاحقاً انه مدبر من ياسر عرفات والمنظمات.
ثانياً: وقوف سوريا علناً ضد عرفات وضد الانقلاب، خصوصاً بعد ظهور تعاطف مصري من قبل الرئيس انور السادات مع مواقف عرفات والعميد الأحدب.
ثالثاً: ظهور ارتباك لبناني ونيابي بصورة خاصة يطالب رئيس الجمهورية، عبر عريضة نيابية بتقديم استقالته.
وبرز السؤال الكبير: ما هو دور بكركي في تلك الحقبة، خصوصاً بعد انتهاء ولاية الرئيس سليمان فرنجيه، وانتخاب الاستاذ الياس سركيس رئيساً للجمهورية بتأييد من سوريا ومعارضة مسلحة من عرفات والمنظمات والحركة الوطنية في لبنان، وذلك قبل ستة اشهر من انتهاء ولايته.
انتخب الاستاذ الياس سركيس رئيساً للجمهورية تحت القصف الهائل على المقر الموقت للمجلس النيابي في قصر منصور، وكان يومئذ يقيم في فندق الكارلتون، ليبقى قريباً من مركز عمله كحاكم ل مصرف لبنان في الصنائع.
بعد انتخابه انتقل الياس سركيس الى داره الكائنة في مار تقلا - الحازمية. واخذ الرئيس فرنجيه الذي انتقل من القصر الجمهوري الذي دمره قصف جيش لبنان العربي يتابع عمله من القصر البلدي في جونيه، ويطلع الرئىس الجديد على اسرار الدولة، وسط تعاطف سوري وتأييد دولي.
تسلم الرئيس سركيس سلطاته رسميا، بعدما اكمل الرئيس فرنجيه ولايته، وتوقيعه على الوثيقة الدستورية في دمشق مع الرئيس حافظ الاسد، ورافقه الى العاصمة السورية رئيس الوزراء رشيد كرامي، لكن عرفات وجنبلاط رفضاها، ما دفع الجيش السوري الى التدخل عسكريا في لبنان.
في تلك الحقبة حصل انشطار كبير بين القوى اللبنانية تمثل بحملة عسكرية على اهدن في بداية شتاء العام ١٩٧٨. قامت بها ميليشيات كتائبية، اثر حوادث دامية جرت في بلدة شكا، الساحلية ذهب ضحيتها رئيس فرع الكتائب في منطقة زغرتا - الزاوية جود البايع المعروف بعلاقاته الجيدة بعائلة فرنجيه، وكان القاتل زغرتاويا، مما دفع بالمكتب السياسي الكتائبي الى تجريد حملة على اهدن، ومهاجمة قصر فرنجيه في وقت كانت فيه عروس مصايف الشمال شبه خاوية من الاهالي الذين يهبطون في الخريف والشتاء الى زغرتا للاقامة فيها.
وفي تلك الحملة الكتائية، اقتحم مسلحو حزب الكتائب قصر فرنجيه، وقتلوا النائب والوزير السابق طوني فرنجيه وزوجته وابنته فيما هم نائمون هناك، ولم يسلم من اولاده الا الطفل سليمان فرنجيه نائب زغرتا الحالي والوزير السابق للصحة العامة والداخلية، وكان في الثالثة عشرة من عمره وخارج اهدن.
وتردد يومها ان الهجوم الكتائبي كان يقوده الدكتور سمير جعجع الذي قيل انه اصيب برصاصة في يده. بعدما علم الزغرتاويون بالهجوم على اهدن، صعدوا اليها. لكن كمينا كتائبيا نصب لهم في بلدة كرم سده، بين زغرتا واهدن اصطادهم هناك.

حرب المئة عام بين الموارنة
كان الرئيس الياس سركيس في القصر الجمهوري في بعبدا، عندما تبلغ خبر الهجوم على اهدن، ووصل اليه نبأ مصرع النائب طوني فرنجيه وزوجته فيرا وكريمته جيهان، وثلاثين شابا زغرتاويا، ويُروى ان رئيس الجمهورية ضرب كفا بكف وسأل: اين هو الرئيس سليمان فرنجيه، فقيل له انه في الدار التي انتقل اليها، من بعبدا الى النقاش.
وعقب الرئيس سركيس على الكارثة التي فاجأته: هذه حرب المئة سنة بين الموارنة.
ومن جملة ما قيل في تلك الحقبة، ان البطريرك الماروني مار انطونيوس بطرس خريش جمع في بكركي الوزير طوني فرنجيه والشيخ بشير الجميل قائد القوات اللبنانية يومئذ، لتدارك ذيول الصراع الزغرتاوي - الكتائبي، على النفوذ السياسي، وعلى الزعامة المارونية، بعد مصرع جود البايع الشاب الكتائبي والصديق الشخصي لسليمان فرنجيه قبل وخلال ترؤسه للجمهورية.
وهنا نقطة الاستفهام الكبرى: من خطط لمجزرة اهدن؟
ومن يكمن وراء اغتيال طوني فرنجيه؟
الا ان حكمة سليمان فرنجيه كانت اكبر من وقع الحادثة عليه، فقد عاد الى زغرتا، وطلب من كل من يتعاطف مع المجزرة، ان يغادر المنطقة لانه لا يريد ان يكون فيها، من شجع عليها نفسيا وعمليا.
اخذ الرئيس فرنجيه بصدره الكارثة، وغادر المنطقة الكتائبيون الملتزمون حزبيا، وجنب الله الشمال حربا لا تحمد عقباها.
وبعد سنوات، قال الرئيس فرنجيه عبارته الكبيرة: عفا الله عما مضى.
وقام الوزير والنائب سليمان فرنجيه بزيارة منزل قاتل ابيه في بلدة كفرعبيدا في جوار مدينة البترون، وردد عبارة جده: عفا الله عما مضى.
وماذا بقي من لبنان؟
في ١٤ ايلول ١٩٨٢، اغتيل الرئيس بشير الجميل، بعد ٢١ يوما على انتخابه رئيسا للجمهورية.
وبقيت المسألة معقدة، عند عقدة اسمها الدكتور سمير جعجع. امضى ١١ سنة في الاعتقال، بسبب حادثة نسف كنيسة سيدة النجاة، التي برأته المحكمة منها. وبقيت عقدة التسامح رابضة بين الزعيمين الشماليين.
يوم الثلاثاء في ١٩ نيسان، حدثت المصافحة بين سليمان فرنجيه وسمير جعجع في بكركي.
عند انتخاب الرئيس امين الجميل رئيسا للجمهورية اثر مصرع شقيقه الرئيس بشير، ذهب موفد منه الى بكركي لزيارة البطريرك الجديد مار انطونيوس بطرس صفير، وبعد ذلك عرج على جناح البطريرك السابق خريش، وما ان شاهده حتى صاح به: قلتم لنا استقيل، بتنتهي الحالة من الفلتان. ها نحن استقلنا، والحالة لا تزال سيئة والبلاد في غليان وغرق الجميع في الضحك.
في ذكرى مرور ربع قرن، على سيامة المطران صفير، بطريركا على عرش انطاكيا، احب خليفته البطريرك بشارة الراعي ان يجمع الزعماء الموارنة الاربعة الكبار في بكركي، وان يكون من تسلم القيادة الروحية، شاهد على سدل الستار على قطيعة مارونية عمرها ثلث قرن.
هل تكون مصافحة بكركي بين الزعماء الاربعة الكبار بين الموارنة، نهاية دراماتيكية لحرب المئة سنة بين الموارنة: كما قال الرئيس الياس سركيس؟
تلك هي المسألة الان.
    قرأ هذا المقال   2333 مرة
غلاف هذا العدد