إختر عدداً من الأرشيف  
العالم

كل القيم البشرية: علاقات وأخلاق والمشاعر معلقة على تأثير التقنية
معرض المستقبل يبدأ من هنا يطرح الأسئلة فعلى من يقع فعل الإجابة؟
التكنولوجيا والحياة في المعرض البريطاني رهن التقنية والتصميم
نبَّهت طبيعة العلاقة التي باتت قائمة بين الانسان والتقنية الحديثة، أهل الرأي والمسوولية الى ضرورة دراستها كظاهرة جديدة على حياة البشر، الذين حولتهم هذه التقنية الى مجرد عنصر في حياة تتحكم فيها، وتزداد تحكماً مع كل انجاز تقني اضافي يعزز من قوتها وفاعليتها. هذه الظاهرة صارت واقعاً، حيث تجاوزت كحالة ادمان، ظاهرة الادمان على المخدرات. خصوصاً بعدما حصل الادمان على التقنية في بيئة الاطفال من اعمار مبكرة جداً. اسئلة كثيرة عن المستقبل البشري في وسط هذه الدوامة. يفترض ان معرض: المستقبل يبدأ من هنا الذي عقد في لندن في المملكة المتحدة في الأسبوع الماضي، يجيب على هذه الأسئلة أو على بعض منها. وهي تتجاوز فئة عمرية من المجتمعات البشرية الى طرحها على كل الفئات. وهي أسئلة تحتاج الى دراسات ليست علمية فقط، انما اجتماعية وإنسانية ونفسية والى ما هناك من أنماط بشرية معرضة الى الموت لتحل محلها أنماط تقنية.

وقد يتميز المعرض بأنه غني جدّاً بالمعروضات التي تطرح أسئلة ومحاور حياتية وإنسانية وتقنية مهمة منها: ما العلاقة بين الإنسان والتقنية الحديثة؟
الاستيطان في الفضاء ودور الشركات الكبرى فيه؟

خيارات الإنسان ما بين التحول لعنصر في حياة تتحكم فيها التقنية أو العودة إلى الخلف بحثاً عن عالم أكثر خصوصية؟
هل سيفقد الإنسان كثيراً من صفاته ومشاعره وقدرته على التحكم في حياته..؟
كثير من التساؤلات صاحبت زائر المعرض طوال جولته وحتى بعد أن خرج منه، هذا ما قاله الزوار، وأضافوا أن الأسئلة تطول وتطول ومع كل قطعة معروضة في هذا المعرض، فالتساؤلات التي تمس الإنسان في حياته، وحتى في ما يخصه بعد الموت، تحتاج الى شروح وإجابات غير متوافرة.
المستقبل يبدأ هنا، ربما يصدق القول فيه أنه معرض استشرافي لما قدمه العلم والتكنولوجيا والاختيارات التي يواجهها الإنسان كل يوم، ولكنه أيضاً قد يكون محملاً بالتحذيرات من مستقبل رقمي يسير فيه الإنسان ليصبح شِبه آلة، أو يمكن أن نرى رسالة المعرض نغمات تحذير من فقدان الحياة كما نعرفها الآن، طمعاً في حياة مقبلة ومستقبل لا نعرف كيف سيؤثر فينا. هذا ما خرج به البعض من آراء حول المعرض.
ولكن كل تلك التساؤلات قد توضع جانباً، حتى القاء الضوء على محتويات المعرض، وهي تتجاوز ال 100 قطعة، كل منها يستحق التوقف أمامه لفترة لفهمها ولتكوين وسائل الربط ما بين القطعة وغيرها من المعروضات. من الصعب في مثل هذه المعارض تكوين خطّ سير واضحاً ومستقيماً؛ فكل المعروضات تؤدي الى بعضها وتتبارى في تحفيز الذهن للتفكير بشكل أعمق فيما وراء خزائن العرض.
فمن المعدات إلى الأقمار الصناعية إلى الذكاء الاجتماعي إلى ثقافة الإنترنت، المعرض يقدم فرصة لرؤية مشاريع لشركات تقنية عملاقة مثل غوغل وأبل، ومثل طائرة أكيلا التي طورتها شركة فايسبوك، وهي تعمل بالطاقة الشمسية، إلى حافلة من فولكس فاغن من دون سائق، وتمكن زوار المعرض الركوب بداخلها.

أقسام للعرض
من خلال أقسام محددة حاول معدو المعرض أن يرسموا للزائر خريطة للمواضيع الأساسية؛ فهناك أربعة محاور: الفرد، العامة، الكوكب وما بعد الموت، كل من هذه المحاور يضم معروضات ومشروعات تصميم تتناول تأثير التكنولوجيا في الطريقة التي نحيا بها ونتعلم وحتى نشعر بالحب. هذه هي الصورة التي خرج بها المراقبون الذين تفقدوا المعروضات وكونوا المشهد للواقع عن قرب. وكان شرحهم للمشهد على النحو التالي:
في مدخل المعرض آلة حمراء اللون كأنها إنسان آليّ بذراعين طويلتين، أمام الآلة سلة ملابس، وكما يبدو من خلال حركات بسيطة للآلة، ومن خلال الحديث مع بعض الواقفين أن الجميع أمام روبوت لغسل الملابس، ويؤكد ذلك الملصق الموضوع إلى جانب الآلة، وإن كانت حركة الروبوت بطيئة جدّاً، ما دفع البعض الى تركه لمعاينة قطع أخرى.
الروبوت هو بداية لمحور الآلات والتقنيات التي تستخدم في المنزل، وهناك المزيد منه في خزانات العرض التالية، التي تشكل في ما بينها منظراً لبيت جميل التصميم.
المعروضات كثيرة جدّاً، وكلها ترتبط بحياة الإنسان مع التقنية الحديثة، ويبدأ العرض بأسئلة مطبوعة على لوحة توضيحية تقول: ما الذي يجعلنا بشراً؟ ونحن جميعاً متصلون، ولكن هل نشعر بالوحدة؟ الأسئلة تهيئ الزائر لرؤية المعروضات بعين مفتوحة وذهن مستعد للغوص في ما أبعد من السطح. المحيط العام للعرض يحمل طبيعة منزلية، وبالتالي نجد المعروضات التي نرتبط بها في حياتنا اليومية، تبدأ من جهاز تليفون قديم ربما يمثل الماضي، ومنه ننتقل لتقنيات متطورة غيَّرت مفهوم الخصوصية، وحوَّلَت المنزل لمحطة بث نشارك الآخرين من خلالها بتفاصيل حياتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هنا نجد جهاز روبوت صغيراً جدّاً يعمل مرافقاً للإنسان، ويُستخدم في بيوت المسنين لتوفير رفقة من نوع ما للنزلاء الذين يشعرون بالوحدة. هنا أيضاً جهاز المساعد الإلكتروني ألكسا الذي يتحول إلى فرد من أفراد العائلة في مقطع سينمائي نشاهده أمامنا، ألكسا، تجيب عن الأسئلة وتذكِّر بالمواعيد، بل وتذِّكر الأطفال بمواعيد الدراسة وغير ذلك من المهام. وهنا أيضاً المهد الذكي الذي يهدهد الأطفال.
ومن خلال البطاقات التعريفية يطرح معدو المعرض أيضاً أسئلة مختلفة حول الاعتماد على الأجهزة، هل سيأتي يوم وتتمرد علينا؟
وتساؤل حول المهد الذكي: هل يشير هذا الاختراع الى مستقبل يكون فيه هذا الاختراع، أولى تجارب الطفل الموكول للتكنولوجيا؟.
قد يرى البعض في تلك الأسئلة محاولة للتقليل من أهمية المخترعات، ولكن يمكن أيضاً رؤية الأسئلة كمحاولةً لتحفيز الذهن للتفكير في ما هو أبعد من الاختراع وفائدته المباشرة. وفي النهاية يبقى للزائر أن يكوِّن تصوره الخاص لكل ما رآه وعايشه في المعرض.
في العرض المنزلي أيضاً قسم للملابس الذكية، مثل الحلة التي تستخدم آخر التقنيات في الروبوتات والكيمياء الحيوية وتصميم الملابس، لتتحول لحلة يمكنها توفير عضلات لمرتديها. هناك أيضاً رداء ذكي للسباحة ومرآة ذكية إضافة إلى جهاز محمول للكشف عن الحامض النووي وغيره أمور كثيرة.
وهناك المعروضات التي تخص العامة، تتعلق بالمناخ والمدن الذكية وتأثير الانبعاثات على الكوكب من خلال ما يشبه المنطاد الموضوع على الأرض يدعو الزوار للجلوس أو حتى الاستلقاء على منصة على الأرض لينظروا إلى قبة المنطاد، حيث يرون عرضاً خاصّاً يتحدث عن الغازات المنبعثة وتأثيرها على كل مناحي الحياة.
العرض مبتكَر جدّاً، ومجرد الاستلقاء على تلك المنصة الأرضية ووضع السماعات يصبح المرء في عالم آخر، يراقب القبة فوقه وصوت المعلق في اذنيه يتحدث عن تأثير الغازات المنبعثة على المناخ في أفريقيا وحالة الجفاف وتبعاتها الإنسانية والاقتصادية، ثم وبشكل ماهر وذكي للغاية، يربط بينها وبين التيارات المناخية التي شهدت رحلات المستعمرين وإقامة الإمبراطوريات ثم يصل إلى رحلات الهجرة من أفريقيا الى أوروبا، كل ذلك في عرض ذكي وعميق جدّاً.

استيطان الكواكب
ومن الأرض يتجه العرض إلى الفضاء؛ فمع التقدم التكنولوجي أصبح الوصول الى الفضاء متاحاً أكثر من أي وقت مضى للأشخاص والشركات. وتحت عنوان إذا كان المريخ هو الإجابة فما هو السؤال؟، يستكشف الدوافع خلف السباق نحو السفر للفضاء من قبل الشركات والأشخاص الأثرياء، البعض يرى أن الفضاء يُمكن اعتباره نقطةً لاستكشاف الأرض ومناخها ومستوى البحار وطبقة الأوزون.
وعلى الجانب الآخر هناك مَن يرى في الفضاء فرصة لاستكشاف كواكب جديدة والحصول على موارد جديدة وفرص للاستيطان. ومرة أخرى يطرح العرض أسئلة: هل فقدنا الأمل في الأرض؟ وهل سيتأثر المستقبل بأطماع الشركات..؟.
وهناك أيضاً مجسم مطبوع بتقنية الثلاثة أبعاد لمساكن على كوكب المريخ أعدتها إحدى الشركات ضمن مسابقة أطلقتها وكالة الفضاء الأميركية.
حلم الخلود
ليس من الصدفة أن يكون بين الذين يحاولون الوصول الى الكواكب الأخرى من الأثرياء ممن يحلمون بالخلود والتغلب على الموت. أشخاص رأوا في التقنيات المختلفة فرصة لمحاولة الفرار من حد السيف الأزلي، فلجأوا الى تكوين مؤسسات ومنشآت لتجميد أدمغتهم بعد الوفاة طمعاً في إعادة تشغيلها في المستقبل، حينما تتوفر التقنية اللازمة لذلك.
المعرض هنا يتجه نحو استكشاف عالم هؤلاء المهووسين، ويرى الزائر مثلا سواراً إلكترونياً يرتديه الأشخاص الذين وقّعوا ضمن برنامج خاص لتجميد أدمغتهم، وعددهم حتى الآن 2000 شخص. وللاستعداد للحياة للأبد هناك أيضاً شريحتان من الزجاج مخزَّن عليهما كنوز من المعلومات، والشرائح معدة للبقاء لأكثر من 13 مليار عام.

الديمقراطية والتكنولوجيا
اللافت في معرض المستقبل يبدأ من هنا أن المعروضات مرتبطة جدّاً بكل تفاصيل حياتنا. ففي جانب منه ينتقل نحو السياسة وعالم الأخبار الكاذبة فيك نيوز والحسابات الوهمية بوت المعتمدة على برامج كمبيوتر خاصة، وعالم كمبريدج أنالاتيكا شركة المعلومات التي شغلت الرأي العام العالمي أخيراً بعد اكتشاف دورها في استخدام الخوارزميات ومعلومات مستخدمي فايسبوك للتأثير في الانتخابات لأميركية والتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وختام المعرض عرض تفاعلي، يمكن للزوار فيه تكوين رأيهم في شكل المستقبل كما يرونه، عبر كتابة جمل تحت عنوان المستقبل هو....



    قرأ هذا المقال   69 مرة
غلاف هذا العدد