إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

القوى السياسية تسابقت في الانتخابات على رفع الشعار لدغدغة المشاعر
اللبنانيون يستغيثون: الفساد والنازحون... الاصلاح شعبوي أم جدّي؟
كل الأحزاب والقوى السياسية رفعت شعار الإصلاح ومكافحة الفساد عشية الانتخابات النيابية، بل هي تبارت في تقديم الوعود للناس بوقف الهدر وضبط الإنفاق العام ورفع مستوى الشفافية. وطبعاً، كانت الشرائح المختلفة المنضوية تحت عنوان المجتمع المدني هي الأكثر حماساً لمواجهة الفساد.
وبالفعل، كانت الفئات الشبابية هي الأكثر اندفاعاً إلى ضرورة إنقاذ لبنان من آفة الفساد، لكنها كانت أكثر اقتناعاً بأن السبيل إلى ذلك لا يتم إلا بتغيير الطبقة السياسية التي هي نفسها تمثّل التجسيد الحقيقي للفساد. وهناك فئات لم تعد تؤمن بأن التخلص من الفساد أمر واقعي وممكن، لأنها سئمت الوعود التي يطلقها أفراد الطاقم الممسك بأمور السلطة والحياة السياسية، والتي يظهر دائماً بطلانها وزيفها.
وللتذكير، في العام 2017، احتل لبنان المرتبة 143 في مؤشر مدركات الفساد من أصل 180 دولة، ليُسجّل بذلك تراجعاً مقارنة مع العام الذي سبقه، أي 2016، إذ كان يحتلّ المرتبة 136 من أصل 176 دولة، وذلك بحسب الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية لا فساد وهي الفرع الوطني لمنظمة الشفافية الدولية.
والمثير هو أن القوى السياسية اللبنانية تتبادل الاتهامات بارتكاب الصفقات المشبوهة. وأحياناً، تقدّم القرائن والبراهين والوثائق التي تثبت ذلك. وفي اللجان النيابية، تدور أحياناً مشادات شرسة بين القوى السياسية، وهي تصل إلى مسامع الناس وتلتقط وسائل الإعلام وقائع الاتهامات بالهدر والاختلاس والمسؤولية عن إغراق لبنان في أزماته المالية. ولكن، كل شيء ينتهي عند حدّه في لبنان، وحتى الانتخابات النيابية الأخيرة لم تقدّم جديداً يحمل الأمل في القضاء على آفة الفساد.
والمثير أيضاً أن القوى السياسية تتبادل الاتهامات عندما تكون في حال اختلاف وتصارع. ولكن، عندما يحلّ التوافق بين طرفين سياسيين، تزول الاتهامات وينساها الجميع، وتنطلق اتهامات جديدة في اتجاه الخصوم الجدد في السياسة!
حتى الكتب التي يقوم بعض القوى السياسية بطبعها وتسويقها لضرب صورة الخصم، والزاخرة بالبراهين على ارتكابه الفساد، يجري إخفاؤها في لحظة التوافق السياسي. ويتبين أن شعارات الإصلاح في لبنان غالباً ما تكون وجهة نظر!

واليوم، يستعد الجميع لمرحلة صاخبة في مجلس الوزراء، حيث تقوم قوى باتهام أخرى بالفساد وعدم الشفافية في ملفات اقتصادية ومالية. ولكن، يبدو الرئيس ميشال عون حريصاً على إنقاذ عهده وتحقيق حلم الشفافية المطلوب. وهو لذلك رفع الصوت قبل أيام. ولاقاه رئيس الحكومة سعد الحريري الذي اعتبر أن بناء الدولة يقضي بوضع حد للفساد المتجذر داخل النسيجين الاقتصادي والسياسي في لبنان. فهل يتحقق حلم القضاء على الفساد الذي يراود اللبنانيين ولا سيما منهم فئة الشباب الطامح إلى مستقبل أفضل؟
إنها أزمة تؤرق اللبنانيين، ولا تضاهيها سوى أزمة النازحين السوريين المتفاقمة على مختلف المستويات، خصوصاً بعد بيان بروكسل الأخير.
تقاطعت القوى السياسية اللبنانية على تقديم الوعود للناخبين بمواجهة الفساد. وقال الأمين العام لحزب الله إن الفساد آفةٌ سيتصدى لها الحزب. وفي الترجمة العملية، يقول القريبون من حزب الله إنه يرغب في الانغماس أكثر في الملفات الداخلية، بما في ذلك المشاركة أكثر في القرار المالي والاقتصادي داخل الحكومة. وهو لن يكتفي بالدور الذي يقوم به على المستوى السياسي- العسكري الاستراتيجي.
وثمة من يتحدث عن تجمّع نيابي واسع يقوده الرئيس نبيه بري، تحت عناوين اقتصادية وإنمائية، وتضم كتلاً نيابية لا تلتقي سياسياً، ويكون من أهدافها ضبط الملفات تحت سقف من الشفافية. ويرى وزير المال علي حسن خليل أن الحكومة الجديدة التي ستؤلّف بعد الإنتخابات النيابية، يجب أن تضع أسساً حقيقيّة لمحاربة الفساد وتطوير الأداء، مشدّداً على ضرورة إرساء قواعد جديدة للإنفاق تَفرُضُ على الجميع الإلتزام بالأنظمة وبالشفافيّة في إدارة المناقصات من خلال الجهاز المركزي المولّج بها.
وفي رأي الدكتور سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية أن الدعوات إلى مكافحة الفساد تصدر أحياناً عن الجهات المسؤولة عن هذا الفساد تحديداً. وأما النائب سامي الجميل رئيس حزب الكتائب فلا يتوقف عن مواجهة الطبقة السياسية الفاسدة، مستفيداً من كونه خارج الحكومة في المرحلة الأخيرة. وثمة من يعتقد أن خطاب العديد من السياسيين اللبنانيين حول الفساد طغى عليه طابع الشعبوية، خصوصاً عشية الانتخابات.

فصل النيابة عن الوزارة
ويجزم المراقبون أن رئيس الجمهورية ميشال عون لا يرفع شعارات عبثية. فالتغيير حتمي بالنسبة إليه. وهو عَقَد العزم على بناء الدولة الفاعلة والمنتجة وتفعيل دور مؤسسات الرقابة الادارية والمالية في سياق مكافحة الفساد ووقف الهدر وترشيد الانفاق واعتماد الشفافية في عمل المؤسسات. ويبدأ عهد الرئيس عون، بحسب ما أعلن بعد الانتخابات النيابية وتشكيل الحكومة، ما يعني أن العهد قد يبدأ فعلياً خريف العام 2018.
ومن أبرز مقومات العملية الإصلاحية تطبيق مبدأ الفصل بين النيابة والوزارة. فقد دعا الرئيس عون إلى هذا الفصل بحيث لا يكون من أوكِل إليه محاسبة الحكومة إذا أخطأت هو نفسُه عضواً فيها. وأكد ذلك أيضاً السيد نصرالله خلال إعلانه أسماء مرشحي الحزب للإنتخابات النيابية، وقال إن الحزب سوف يفصل بين الوزارة والنيابة لولاية كاملة نتيجة ما يحصل من أعباء على النواب والوزراء وسيقوم بتوزيع ثقل المسؤوليات.
وهذا القرار هو قرار حزبي اختياري، ولا يمكن أن يكون الفصل بين النيابة والوزارة رسمياً، الا اذ جرى تعديل النظام السياسي والدستور اللبناني، لان النظام السياسي اللبناني هو نظام ديمقراطي - برلماني.
وانطلقت دعوة رئيس الجمهورية لفصل النيابة عن الوزارة من اقتناع راسخ لديه بأن تفعيل مبدأ فصل السلطات المنصوص عليه في مقدمة الدستور يوجب مثل هذا الفصل، لأن من أهم اختصاصات النواب مراقبة عمل الوزراء ولا يمكن للنائب أن يراقب نفسه عندما يكون وزيرأ في آن واحد، فضلاً عن أن هذا الفصل من شأنه تعزيز الإنتاجية حيث يتفرغ النائب لعمله النيابي والوزير لعمله الوزاري، وفق ما يقول الخبير الدستوري عادل يمين.
وفيما تلتزم القوات اللبنانية بهذا المبدأ، كان تكتل التغيير والإصلاح تقدم باقتراح قانون في هذا الاتجاه العام 2008، لكنه لم يُبت، لأن أحكام المادة 28 بعد التعديل عام 1929 تنص على ما يلي: يجوز الجمع بين النيابة ووظيفة الوزارة، أما الوزراء فيجوز إنتقاؤهم من أعضاء المجلس النيابي أو من أشخاص خارجين عنه أو من كليهما، وبالتالي فإن الفصل يحتاج إلى تعديل الدستور كونه ينص على جواز الجمع.

مطالبات دولية بالشفافية
وفي المحافل الدولية، نشرت تقارير عن ظاهرة الفساد في لبنان. وطالبت المؤتمرات الدولية الخاصة بمساعدة لبنان، مراراً، بوضع معايير وتدابير لمراقبة الأداء المالي اللبناني كشرط لاستمرار الدعم، ودعت إلى وضع المساعدات تحت مجهر الجهات المالية الدولية لضمان الشفافية.
وكلّف مجلس الوزراء اللبناني في أول العام الجاري شركة ماكنزي أند كومباني الأميركية إعداد خطة للنهوض الاقتصادي في لبنان ومكافحة الفساد. ولكن، هل هناك مبرر لتقوم الحكومة اللبنانية بالطلب من شركة دولية تقديم استشاراتها في هذا المجال، فيما الأمور واضحة للجميع، وفيما توجد في لبنان كفايات عالية يمكنها أن تعوض الخبرات الأجنبية؟ وسألت: أليس هذا القرار في ذاته جزءاً من عملية الهدر والفساد المطلوب أن تتم مواجهته؟

المطالب الدولية
وفي التقرير الذي قدمه صندوق النقد الدولي إلى المجتمعين في مؤتمر سيدر، هذا العام، دعا اللبنانيين إلى الالتزام بإصلاحات تخفّض عجز الميزانية بنسبة ٥% كبداية خلال السنوات الخمس المقبلة. وواكبت التقرير إشارات واضحة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بأن المساعدات المقدّمة للبنان لن تفيده بشيء إذا لم تواكبها إصلاحات جذرية في عدد من القطاعات.
فأسباب العجز في الموازنة أصبحت معروفة. وإذا جرى استثناء الدعم المقرر لمؤسسة كهرباء لبنان ب 2100 مليار ليرة، فإن العجز يعود غالبيته إلى اسباب عدة منها: التوظيف العشوائي والانتخابي في القطاع العام، التهرّب الضريبي، فواتير ورسوم غير مجباة، المناقصات العامّة، التجهيزات، إعتمادات السفر، لجان العمل التي يتم تأليفها في الوزارات والادارات العامة.
فالتوظيف غير القانوني يؤدي الى عقود مصالحة صنّفها مجلس شورى الدولة بالهرطقة القانونية، وعلى الرغم من ذلك فهي لا تزال معتمدة في الادارات اللبنانية. ولعل الجامعة اللبنانية أبرز مثال على ذلك، إذ بلغت قيمة عقود المصالحة فيها نحو 60 مليار ليرة على موازنة تبلغ 357 مليار ليرة.
ومن وجوه التوظيف العشوائي يبرز التوظيف على مشاريع بعقود مؤقتة، وهي طريقة غير مباشرة للتثبيت من دون المرور بالضرورة بمجلس الخدمة المدنية، علماً أن عدد موظفي الوزارات يبلغ 8 آلاف موظف في ملاك الدولة في مقابل إجمالي عدد الموظفين ب 45 الفاً. وتبرز ايضاً في هذا السياق، ساعات العمل الإضافية بشكل غير مبرّر قد تساوي في بعض الاحيان قيمة الراتب الشهري، وفق ما يشرح الخبير الاقتصادي والاستراتيجي البروفسور جاسم عجاقة.
وتندرج في هذا السياق رواتب موظفي ال UNDP الذين تربطهم بالدولة عقود سنوية، وتبدأ رواتبهم ب 3 آلاف دولار شهرياً وتصل احياناً إلى 15 ألفاً في بعض المراكز. ويشير عجاقة الى أن الخطة في البدء كانت تقضي بقيام الأمم المُتحدة بدفع هذه الرواتب، إلاّ أنه وبحسب مصادر فإن الأمم المُتحدّة لم تدفع هذه الأجور، فيما تؤكد مصادر أخرى ان الأمم المُتحدّة دفعت خلال عامين فقط وتوقفت بعدها عن الدفع.
وأما التهرّب الضريبي فهو يتأرجح ما بين 5 و١٠% من الناتج المحلي الإجمالي من 2.5 ملياري دولار إلى 5 مليارات دولار. ويشمل التهرّب الضريبي: التهرّب الجمركي، والتهرّب من دفع الضرائب تخمين عقاري، تصريح ضريبي...، وشركات ال Offshore.
وبحسب دراسة للمنظمة العالمية للنزاهة المالية GFI، تبلغ قيمة التهرّب الجمركي 1.9 مليار دولار سنوياً mis-invoicing من دون الخدمات، أما قيمة التهرّب الجمركي سلع وخدمات فإنها تفوق ال ٧% من الناتج المحلّي الإجمالي. وهذا الأمر وفق ما يؤكد عجاقة ينطبق على التخمين العقاري. إذ تؤكد الدراسات أن قيمة الخسارة على خزينة الدولة الناتجة من التخمين العقاري في العام 2015 قاربت ال 300 مليون دولار من 70 ألف عملية عقارية.
ويشمل التهرّب الضريبي ايضاً المولدات الخاصة التي تسبب بخسارة للدولة ما يقارب 130 مليون دولار سنوياً TVA، ضمان إجتماعي، بنية تحتية، وكذلك الأمر بالنسبة الى مواقف السيارات مع خسائر تقدر ب 360 مليون دولار تصريح دخل، ضمان، ضريبة بلدية.... وكذلك، هناك الأملاك البحرية والنهرية مساحة تقدر ب 492 ألف متر مربّع التي تسبّب خسارة سنوية للخزينة توازي 1.5 مليار دولار.
وتشير التقديرات الى أن قيمة مستحقات الدولة لدى المواطنين تبلغ 4.5 مليارات دولار وهي عبارة عن فواتير ورسوم غير محصّلة، منها فواتير تابعة لمؤسسات خدماتية عامة مثل مؤسسة الكهرباء وأوجيرو والإتصالات، ومنها ما هو تهرّب من دفع رسوم مستحقة للدولة. وهذه المستحقات، يؤكد عجاقة، هي مستحقات موثقة ومعروفة، وتالياً لا تدخل في نطاق التهرّب الضريبي أو الجمركي.
ويدخل بند تجهيزات في موازنات معظم وزارات ومؤسسات، وأرقام هذا البند ثابتة من عام إلى آخر بإستثناء الطلبات الخاصة التي تزيد من قيمته. ولكن المشكلة أن وزارة المال تعمد إلى خفض هذا البند في حال لم يتم صرفه.
من هنا تعمد الوزارات والمؤسسات العامة إلى شراء تجهيزات بشكل مستمر سنوياً. وهذا الأمر يشكل هدراً ويفتح الباب أمام الفساد في المناقصات. لذا يقترح عجاقة وضع جداول للتجهيزات في الوزارات والمؤسسات العامة تتضمّن التجهيزات الموجودة فيها مع تاريخ الشراء، والطلب إلى وزارة المال الإمتناع عن تمويل هذا البند إلاّ حين تصل التجهيزات إلى نهاية ال Amortissement.
كما أن بند السفر الوارد في كل موازنات الوزارات والمؤسسات العامة هو واحد من أبرز أبواب الهدر في الموازنة، إذ تخصص بعض الوزارات والمؤسسات العامة مبالغ طائلة لهذا البند قد تصل إلى أكثر من ألف دولار يومياً هيئة إدارة قطاع البترول، هيئة الرقابة على الأسواق المالية.... وبما أن وزارة المال تعمد الى تقليص المبلغ كما تفعل مع بند التجهيزات إذا لم يتم صرفه، نجد أن معظم المديرين العامين وأعضاء الهيئات واللجان يقضون وقتهم في الخارج.
من هنا، يقترح عجاقة وضع سقف لبند السفر، وسقف لعدد الأشخاص في الوفود المرافقة للوزراء، وكذلك وضع جداول مسبقة لكل الرحلات المُتوقّعة مع أسماء الأشخاص، مع إخضاعها لمراقبة ديوان المحاسبة.
ويسمح القانون لكل الوزارات والمؤسسات العامة بتأليف لجان عمل، يتم الدفع لها على أساس المشاركة أو مقاطعة. ولكن المشكلة أنه لا يوجد سقف لدخل الموظف من هذه اللجان، فيقبض المديرون العامون 40 مليون ليرة عن كل إجتماع شهري في مجالس الإدارة التابعة لمؤسسات عامة، في حين أن البعض الآخر يقبض 90 ألف ليرة عن كل مشاركة في إجتماع.
ومعلوم أن قسماً كبيراً من هذه التعويضات معفّي من الضرائب. وفي بعض المؤسسات، قد تصل نسبة تعويضات اللجان إلى أكثر من ٢٠% من موازنتها. ويقترح عجاقة وضع سقف للإفادة من تعويضات اللجان على أساس لا يتجاوز ال٢٠% من الدخل الشهري.

أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي ابداً
ويقول الدكتور ناجي قديح: أن تأتي متأخراً خير من ألاّ تأتي أبدا. ولذلك، نرحب بما تم إعلانه عن نية قوى كبيرة وفاعلة وفي السلطة، عن نيتها مكافحة الفساد، باعتبار أن الإنهيار المرافق لمستويات الفساد المخيفة، التي وصلت إليها، تهدد بسقوط الهيكل على رؤوس الجميع، خاصة وأن بعض الرؤوس مستهدفة من قبل القوى، التي تخوض معركة الهيمنة على دول وشعوب منطقتنا، وتعمل على تدميرها وتفتيتها. إن القوى السياسية والشعبية، التي تشكل معركة مكافحة الفساد جزءاً حيوياً من تاريخها ومن برنامجها ومن أهدافها لإرساء دولة القانون ودولة العدالة الاجتماعية ودولة تكافؤ الفرص ودولة المواطنة، ترحب بدون شك بانضمام حلفاء أقوياء لها على المستوى الشعبي وفي سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ويضيف: قد يكون مدخل هذه القوى الجديدة، التي أعلنت نيتها مكافحة الفساد في الدولة، هو نيتها الدخول في بنية الدولة الإدارية، وفي كل أجهزتها ومؤسساتها السياسية والإدارية والإقتصادية والمالية والأمنية، وهذا برأينا شرط ضروري ولكنه ليس شرطاً كافياً بذاته. بل هناك مجموعة من القضايا، التي تشكل بداية استراتيجية مكافحة الفساد وبناء الدولة القوية القادرة والعادلة. نرى أن أولى هذه القضايا، هو في إنشاء وزارة للتخطيط والتصميم تقوم بوضع السياسات والاستراتيجيات للدولة عموما، وتنسق بين سياسات التنمية الشاملة للبلد، وتجري الدراسات البيئية الاستراتيجية لتلك السياسات بشكل جدي، وتخطط للمشاريع وتضع دفاتر شروط لها، بحيث تسترد هذه الصلاحيات من مجلس الإنماء والإعمار، الذي يمسك عملياً بيده بكل تلك المراحل التخطيطية لأي عمل تنموي في كل القطاعات والمجالات.
وكذلك استحداث هيئة خاصة لاستلام المشاريع من الجهات التي تنفذها، للتحقق من التطبيق النوعي والكمي لدفاتر الشروط. وتفعيل وتحديث أجهزة الرقابة من تفتيش مركزي وتفتيش مالي وتفتيش إداري. وتحديث الإدارة وإلغاء التعاقد وملء الشواغر في الإدارة عبر آليات التوظيف الموضوعية التي تنص عليها قواعد العمل في مجلس الخدمة المدنية، ووقف التدخل السياسي في التوظيف، وإلغاء الزبائنية القاتلة، التي تغطي كل مجالات عمل إدارات وقطاعات الدولة، وإلغاء طائفية ومذهبية الوظيفة باستثناء ما ينص عليه القانون في وظائف الفئة الأولى، واعتماد الكفاءة والجدارة بمعزل عن أي معيار آخر. وإعادة هيكلة الإقتصاد اللبناني والعمل على وضع سياسات واستراتيجيات تعزيز وتطوير القطاعات المنتجة، الزراعة والصناعة، وتيسير آليات تأسيس الشركات الفردية ومحدودة المسؤولية والمساهمة، وتشجيع الإستثمار في هذين القطاعين عبر حوافز تنظيمية وإدارية ومالية وضرائبية، وعبر تسهيلات تنافسية حيال الإستيراد والتصدير.
والمطلوب كذلك إعادة النظر بالسياسات المالية وتحقيق العدالة الضريبية، وعقلنة الضرائب غير المباشرة، وتعزيز الضرائب المباشرة وتطبيق الضريبة التصاعدية، وتعزيز دور وزارة التنمية الإدارية في إعادة هيكلة وتطوير الإدارة اللبنانية، وتدريب الموظفين، وتقييم أدائهم، وإدخال مبدأي الثواب والعقاب فعليا في الإدارة، والعمل على ملء الشواغر في كل وزارات وإدارات الدولة، وإعادة ملف النفايات وإدارتها بالكامل إلى وزارة البيئة، بما في ذلك مشروع بناء وتشغيل معامل فرز النفايات ومعالجتها الممول من الاتحاد الأوروبي.
ويقول: إن مجلس الإنماء والإعمار هو من حيث المبدأ مجلس تنفيذي للإنشاءات الكبرى، التي تخطط لها وزارة التخطيط والتصميم وتضع دفاتر شروطها، وتستلمها هيئة متخصصة تنشأ لهذه الغاية، كي تحل محل الوظائف المتناقضة، التي يقوم بها مجلس الإنماء والإعمار اليوم. على أن تهتم وزارة المالية بتأمين التمويل اللازم لكل المشاريع التي تنفذ في البلد، الكبيرة منها والمتوسطة والصغيرة، عبر الهبات والقروض وبنود الموازنة العامة، بكل شفافية، وإخضاع كل النفقات للمراقبة المسبقة واللاحقة لديوان المحاسبة، وفق القوانين المالية النافذة. إعادة النظر برواتب ومخصصات وتعويضات النواب ووقف مهزلة الهدر الفظيع التي تمارس اليوم.
ويطالب قديح بإعادة النظر بآليات الترخيص وتحديثها وتطويرها وتيسيرها، وقطع يد الفساد المستشري في كل الإدارات المتعلقة بإصدر التراخيص من كل نوع. والعمل على تطبيق دقيق وفعال لقانون حماية البيئة، وكل القوانين الأخرى والمراسيم والقرارات المتعلقة بحماية البيئة ومكافحة التلوث وتنظيم استثمار الموارد الطبيعية بشكل مستدام وعقلاني وعادل. وإعادة كل الصلاحيات المتعلقة بحماية البيئة وإدارة النفايات والتلوث من كل المصادر إلى وزارة البيئة، ومنع التشتت والتضارب بالصلاحيات بين الإدارات ومؤسسات الدولة المختلفة. وتنظيم وجود الأجانب بمن فيهم الرعايا العرب وتنظيم إقامتهم وعملهم وفق تشريعات عادلة تحمي اليد العاملة اللبنانية في كثير من القطاعات وفي الاقتصاد الوطني عموما. الحد من تنامي الدين العام وإدارته بشكل يحفظ المصالح الوطنية العليا لأجيال الشعب اللبناني. ومكافحة الفساد والسرقة والنهب المنظم والهدر في كل أنشطة وأعمال الدولة اللبنانية ورفع الحصانة عن كل المرتكبين، الذين يستغلون مواقعهم في السلطة والإدارة. وكذاك اعتماد الآليات والقنوات القانونية للتلزيم وتعزيز الشفافية في المناقصات، والابتعاد عن التلزيم بالتراضي كمنفذ كبير للصفقات، التي تترافق بهدر ونهب المال العام، واحترام الحريات السياسية والتنظيمية والإعلامية وحرية التعبير.
إن دخول القوى الجديدة، التي أعلنت نيتها بمناهضة الفساد، إلى بنية الدولة بكل عمقها ومفاصلها الإدارية والتنظيمية والسياسية والإقتصادية والمالية والأمنية، ليس بحد ذاته أمراً كافياً، بل هناك ما هو مطلوب أبعد من ذلك. فمطلوب أن تتبلور تحالفات مع قوى شريكة في مكافحة الفساد إن وجدت في المجلس النيابي وفي الحكومة. وأن تقوم أطر تحالفية مع القوى السياسية والشعبية، التي يتسم تاريخها الطويل بمقارعتها للفساد، وبالنضال الدؤوب لبناء دولة القانون والعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص، من خارج البرلمان والحكومة. ومطلوب أن نرى كيف سيتم التعامل مع سياسات الإدارة البيئية، والسياسة الإقتصادية المتعلقة بتطوير ودعم القطاعات المنتجة، والسياسات المالية المتعلقة بإدارة الدين العام وحماية النقد والقيمة الشرائية لليرة اللبنانية.
ويضيف: لنرَ كيف سيتم رفع مستوى الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ومواصلات وطبابة واستشفاء وضمان الشيخوخة والوقاية البيئية والصحية.

هل القضاء على الفساد ممكن؟
يقول البعض: حجم الفساد الذي تحدثت عنه هيئات الرقابة وجمعيات الإشراف على نزاهة الانتخابات يكفي ليبرهن عن عجز لبنان على تجاوز أزمة الفساد. فقبل انتخابات 6 أيار/مايو الجاري وخلال الاقتراع والفرز، تداول المرشحون والناخبون ووسائل الاعلام أخباراً كثيرة عن التجاوزات، فهل أخذ بها أحد؟ وهل جرى توقيف مشتبه به؟
ولذلك، يلاحظ أن هناك إحباطاً إزاء إمكان التخلص من الفساد في لبنان. فالطبقة السياسية تتماسك ضد النظافة إجمالاً وتتحالف للإبقاء على الفساد الذي تنتفع منه لتستمر.
ومن هنا، فالرهان يبقى على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي سيعمل جاهداً لينقذ العهد والجمهورية من هذه الآفة، لأن ذلك مدخل وحيد إلى الإنماء وإطلاق عجلة الاقتصاد. فهل يمكن مثلاً بدء استخراج الطاقة الغازية والنفطية من جوف البحر إذا كانت ستؤول إلى جوف حيتان الفساد؟

... والمخاوف في ملف النازحين!
في الموازاة، أزمة أخرى تقض مضاجع اللبنانيين. إنها أزمة النازحين السوريين، خصوصاً بعد بيان مؤتمر بروكسل الأخير الذي طالب بتوظيف النازحين في لبنان ودمجهم كشرط لمنح المساعدات.
وقد أعلن الرئيس عون رفض لبنان لعدد من العبارات التي وردت في البيان المشترك الذي صدر عن الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة بعد اجتماع بروكسل، لأنها ملتبسة وتتناقض مع توجهات الدولة اللبنانية التي تتمسك بالعودة الآمنة للنازحين السوريين الى بلادهم، لا سيما الى المناطق المستقرة امنياً، وتلك التي لم تعد تشهد قتالا، وهي كثيرة على امتداد الاراضي السورية.
وشدد الرئيس عون على ان لبنان لم يقم يوماً بطرد نازحين سوريين من ارضه وهو الذي استضافهم منذ العام 2011 ووفر لهم الرعاية الاجتماعية والتربوية والصحية والانسانية والامنية، لكنه في المقابل يسهل ويشجع الراغبين منهم في العودة الى بلدهم، خلافاً لما تقوم به جهات دولية تحذرهم من هذه العودة وتعرقل تحقيق رغباتهم.
واكد رئيس الجمهورية ان لبنان الذي يثمّن ايجاباً جهود الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي في مساعدته في مجالات عدة وكان آخرها في مؤتمري سيدر وروما 2، فوجىء ببعض ما جاء في البيان، الامر الذي يستوجب توضيحاً، لا سيما في ما خص توفير فرص العمل للنازحين السوريين واندماجهم في المجتمعات التي نزحوا اليها، علما ان نسبة البطالة في لبنان ترتفع يوما بعد يوم وبلغت ٤٦% في صفوف الشباب اللبناني، نتيجة المنافسة غير الشرعية التي يسببها قيام نازحين سوريين باعمال لا تسمح القوانين والانظمة اللبنانية باسنادها الى غير لبنانيين الا في حالات استثنائية وبموجب اجازات عمل، وهو الامر الذي لا ينطبق على اوضاع هؤلاء النازحين.
    قرأ هذا المقال   8668 مرة
غلاف هذا العدد