إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

الضرائب أٌقِرَّت والسلسلة انطلقت... وماذا بعد؟
إقرار سلسلة الرتب والرواتب لن يكون نهاية مشكلة، بل هو بداية مشكلات أخرى على الأرجح. فالخطوة التالية المتوقعة ستكون زيادة الرواتب والأجور في القطاع الخاص. وبعد ذلك، ستعمّ موجة غلاء وتضخم جديدة، ما سيضطر الجميع إلى التساؤل: ما كانت الفائدة من رفع الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص، إذا كان التضخم قد ابتلعها بالكامل، وابتلع أكثر منها أحياناً؟
إنها أزمة الذين أصروا على المطالبة بسلسلة الرتب والرواتب شعبوياً وعشوائياً، وأياً كان الثمن. وكذلك، هي أزمة دولةٍ لم تستطع على مدى عشرات السنين أن تقوم بإصلاح حقيقي يجنب البلد ما وصل إليه. وهذا ما دفع الرئيس سعد الحريري إلى الخروج عن صمته بعد انتهاء جلسات إقرار الضرائب، ليقول: كفى شعبوية!
يقول الرئيس الحريري إنّ المسؤول عن تنفيذ السلسلة عليه إيجاد الأموال لها. وكلّنا نَعلم أنّ الدولة حصّلت أموالاً من المصارف ولكنّ السلسلة دائمة وعلينا تأمين الأموال لذلك. ولفتَ إلى أنّ مَن يوافق على السلسلة عليه أن يوافق أيضاً على الإيرادات لتغطيتِها. وأمّا عديم المسؤولية فلا يَكترث للإصلاحات والضرائب اللازمة لتمويل السلسلة إنّما يكترث فقط للشعبوية. وثمّة من يحاول ان يُزايد عليّ، ولكن السلسلة من دون الإصلاحات والإيرادات ستتسبَّب بمصيبةٍ في البلد. وأضاف: نَعم نريد محاربة الفساد، ولكن أليست الكتل النيابية نفسُها التي ترفض اليوم الضرائب هي من شارك في وضعِها في السنوات الماضية؟ وكلّ من ينادي اليوم بمحاربة الفساد كان في الحكومات السابقة ولم يحاربه. وهناك مجموعة من المعلومات المغلوطة جرى تعميمها. وفي كل سنة علينا إيجاد ما بين 1200 مليار و1400 مليار للسلسلة، وأرباح المصارف تغطي السلسلة لسنة واحدة فقط.
ولفت الحريري الى أننا نبحث كيف نستطيع تحصيل وتحسين مالية البلد كي لا تنهار، وشرح أن الزيادة على ضريبة القيمة المضافة تصبح عملياً نصف في المئة، ولا يزايدن أحد علينا في هذا الموضوع، موضحاً أن الكتل التي وافقت في السابق على السلسلة ترفضها اليوم، وأنا ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري لا نريد الضرائب، ولكن نحن مسؤولون ولدينا أمانة، لأننا نريد سلسلة ولا نريد فرط البلد، وقراراتنا قد لا تكون شعبية، وهناك من يزايد علينا، ولكن ما يهمني أن أكون صادقاً مع الناس. وقال: إننا في الحكومة منذ 10 أشهر واستطعنا إقرار قانون انتخاب، وسنقر الموازنة في مجلس النواب وسنبحث موازنة العام 2018 ونحن نرى إنجازات في العهد الجديد.

مَن يلاحظ في الأيام الأخيرة مقدار الاحتقان الناشئ بين أبناء القطاع العام المستفيدين من سلسلة الرتب والرواتب... وأبناء القطاع الخاص الذين سيدفعون الثمن؟
عندما تعرقلت السلسلة، انفرج العاملون في القطاع الخاص. وعندما أقرّت، استعوذوا بالله... وبالمجلس الدستوري لتعطيلها مجدداً. فهل المطلوب ضرب القطاع العام بالقطاع الخاص وخلق صراع اجتماعي لإحباط أية انتفاضة مطلبية حقيقية؟
لا جدال حول أحقيّة حصول القطاع العام وأساتذة التعليم الخاص على سلسلة الرتب والرواتب. ولكن المفاعيل المنتظرة قاسية على الجميع. وربما يصل بعض المستفيدين من السلسلة إلى مكانٍ يندمون فيه على إقرارها، لأنهم أخذوها باليد اليمنى ودفعوها باليد اليسرى.
وفي معزل عن مروحة الضرائب المفروضة والأمكنة التي أُخذت منها، يتوقع الخبراء في الاقتصاد أن تطاول مفاعيلها كل الفئات، بما فيها فئة متوسطي الحال والفقراء الذين - علمياً - لا يمكن عزلهم عن الحلقة التي يدور فيها الاقتصاد برمته. ولا يمكن تجاهل موجة التضخّم التي بدأت تضرب باكراً وتزداد صعوداً وتشمل الجميع.
النتائج المتوقعة هي الآتية، وفي شكل إجمالي:
- الذين تحسَّنت رواتبهم بنسب قليلة سيكتشفون أن موجة الغلاء أطاحت الزيادة وأكثر.
- الذين تحسّنت رواتبهم بنسب عالية سيحافظون على أجزاء منها.
- العاملون في القطاع الخاص، غير المستفيدين من السلسلة، سيدفعون الثمن من جيوبهم وستزداد أوضاعهم سوءاً، وسط ركود وأزمة بطالة. وهذا التضخم سيزيد من حراجة الوضع الذي تعيشه المؤسسات في القطاع الخاص.

تطهير الإدارة
ربما كان المتضررون من السلسلة سيتقبلونها لو جاءت تنصف قطاعاً عاماً منتجاً وسليماً يبذل التضحيات في سبيل المصلحة العامة. ولكن، في معزل عن المؤسسة العسكرية والعديد من المنتجين والأكفياء الذين لا يمكن تجاهلهم في داخل الإدارة، هناك أسئلة كبرى يطرحها الاقتصاديون:
لماذا سنكافئ، مِن تَعَب القطاع الخاص المنتج والخلاّق، أعداداً كبيرة من الموظفين الفاسدين، الفائضين، الذين لا عمل للكثير منهم، ولا كفاية علمية أو مهنية، ويهدرون مال الدولة؟
كل الخبراء والسياسيين يُجمعون على أن هناك فساداً كبيراً في الدولة يكلفها المليارات سنوياً ويجب استئصاله. ولكن، اليوم، جاءت السلسلة تكافئ هذا الفساد وتزيد من أكلافه على الدولة والمواطن.
وأساساً، لم يعمد السياسيون إلى سلوك الطريق المناسب بتمويل السلسلة من مزاريب الهدر والفساد في الدولة، بل هربوا من هذا الاستحقاق لأن الكثيرين منهم يستفيدون من هذه المزاريب ويموِّلون المحاسيب.

مشروع إصلاحي يرضي الجميع
ويجري التداول في أوساط اقتصادية وسياسية بمشروع إصلاح إداري يجب أن تبدأ به الورشة قبل أن تنتهي بمنح السلسلة. ويقوم على الآتي:
- تنطلق ورشة تكلََّف بها هيئات من الخبراء في الإدارة والرقابة والمحاسبة لدرس وضعية الإدارة وتقويم العاملين فيها.
- تُمنح الهيئة صلاحيات واسعة، وتُعطى مهلة ستة أشهر أو تسعة أو عام كامل لإنجاز عملها.
- يتم إقرار ما توصلت إليه الهيئة، ويجري تطهير الإدارة من الفاسدين والعاطلين عن العمل، ويتم توزيع الفائض بين دوائر الدولة ومرافقها وفقاً للحاجة وكفايات كل موظف.
- في هذه الأثناء، تكون سلسلة الرتب والرواتب سارية المفعول، ولكن يتم تجميد التنفيذ حتى الانتهاء من عملية تطهير الإدارة. وبعد تحقيق هذا الهدف، يتم دفع سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام، مع مفعول رجعي عن كامل المدّة التي جرى فيها التجميد.
وفي هذا الإجراء، يكون قانون السلسلة ساري المفعول منذ إقراره، لكن التنفيذ أرجئ حتى تنظيف الإدارة.
ولكن، مَن يأخذ على عاتقه الدخول في ورشة الإصلاح والمسّ بالمحاسيب الذين زرعهم السياسيون في الإدارة ليكونوا مطيّة لهم، وإجمالاً هؤلاء هم أفسدُ الفاسدين؟ وربما يبدو هذا المشروع خيالياً على أبواب انتخاباتٍ يريد الكثير من السياسيين فيها استخدام كل طاقاتهم لإرضاء المفاتيح الانتخابية والفاعلين والناخبين.
وفي التقويم المهني والعلمي للكثير من موظفي القطاع العام، هناك حالات فضائحية أحياناً. والصالح يؤخذ بجريرة الطالح. ويتمتع الفاسدون بضمانات هائلة وتعويضات طائلة، ولا أحد يجرؤ على المسّ بمغاورهم، ويكافَأون بسلسلة رتب ورواتب يجري تمويلها مِن عرق الكادحين في القطاع الخاص.
وأكثر من ذلك، هل المطلوب خلق مواجهة اجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، بين العاملين في القطاع العام والعاملين في القطاع الخاص، بحيث تبدو الطبقة السياسية هي الحَكَم الصالح بين أفراد المجتمع المنقسم، بدل أن تكون هي المستهدف بحراك المجتمع المدني؟
بعض السياسيين يتهربون من مواجهة النظافة واستحقاق التطهير. وكما إن إنقاذ لبنان يتمّ بتنظيفه من خلايا الإرهاب النائمة، فكذلك، يكون إنقاذه بتطهير الإدارة من خلايا الفساد النائمة... والواعية!
وإذا كانت الطاقم السياسي هو الذي يحمي هذه الخلايا، فالإصلاح يبدأ به، من الأعلى إلى أسفل الهرم. ولذلك، هل سيتيحون إجراء انتخابات حقيقية تُصلِح وتُغيِّر؟

الضرائب بالتفصيل
في التفاصيل، أقرّ مجلس النواب سلة ضريبية قال النائب علي فياض إنها تحقّق إيرادات تزيد عن ال 1900 مليار ليرة، لتغطيةِ سلسلة رتبٍ ورواتب مقدّرة كلفتُها بنحو 1400 مليار ليرة. ورأى أن الهدف منها تخطى تمويلَ السلسلة الى سدّ عجزِ الخزينة. وشَملت الضرائب ما يأتي:
- رفعَ الضريبةِ على القيمة المضافة من ١٠% إلى ١١%.
- رسوم على المشروبات الروحية بنسبة ٣%.
- رفعَ الرسم على الطابع المالي.
- إضافةَ رسم 6000 ليرة على طن الإسمنت.
- فرضَ ضريبةِ 2500 ليرة على الهاتف الثابت و250 ليرة على البطاقات المسبَقة الدفع.
- رفعَ الرسمِ على السجائر 250 ليرة و2500 على المعسّل و١٠% على كلّ سيجار.
- إقرارَ رسوم إضافية على الكتّاب العدول.
- فرضَ رسوم على القادمين غيرِ اللبنانيين إلى لبنان عبر البرّ بقيمة 5 آلاف ليرة على كلّ شخص.
- إقرار رسم 150 ألف ليرة للمسافرين في الدرجة الأولى و400 ألف ليرة للمسافرين في طائرة خاصة والإبقاءَ على 50 ألف ليرة للدرجة السياحية.
- فرضَ رسوم على المستوعبات المستورَدة من الخارج.
- فرضَ غرامات سنوية على الأملاك البحرية.
- فرضَ زيادة الضرائب على جوائز اليانصيب بنسبة ٢٠%.
- فرضَ رسوم إضافية على ضريبة الدخل على الشركات.
- فرضَ رسوم على عقود البيع العقاري بنسبة ٢% من ثمنِ البيع.
- إضافةَ رسومٍ على الشركات المالية بنسبة ١٧%.
- فرضَ زيادة رسوم على فوائد وعائدات المصارف بنسبة ٧%.
واللافت أنّ الضرائب التي كان يسود الاعتقاد أنّها ستُلغى، كما هي حال زيادة الرسوم على المشروبات الروحية، حِرصاً على عدم خرقِ اتفاقية التبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي، تمَّ إيجاد مخارج لها، وجرى إقرارُها.
والضرائب الجديدة التي تشمل المواطنين وتؤثّر سلباً على قدراتهم الشرائية، الزيادة على القيمة المضافة ال TVA والرسوم على الطوابع المالية والكتّاب العدول والإسمنت وفواتير الهاتف، عدا السجائر، فيما يُنتظر أن تقفز مشكلة الأقساط في المدارس الخاصة إلى الواجهة في الأيام القليلة المقبلة، وستكون بمثابة الضريبة الأقسى التي سيتحمّلها المواطن، خصوصاً أن لا مؤشّرات إلى وجود حلّ لها. وسيؤدّي ارتفاع الأسعار بسبب الضرائب، وارتفاع كلفةِ التعليم، وتراجُع القدرة الشرائية، إلى إعطاء دفعٍ للمساعي التي بدأها الاتّحاد العمّالي العام لرفعِ الأجور في القطاع الخاص. وهذه المعركة ستكون لها حساباتها، ومعاناتها، وقد تُسهِم بدورها في مزيدٍ من الانكماش الاقتصادي.

جلسة ال 71 نعم
وحصل قانون الضرائب على تصويت 71نائباً ب نَعم وبتصويت 5 نوّاب ضدّ، هم النوّاب سامي الجميّل، سامر سعادة، علي عمّار، خالد ضاهر وبطرس حرب. فيما امتنَع 9 نوّاب من كتلة الوفاء للمقاومة مع النائب نقولا فتوش.
وفي الأسباب الموجبة لإقرار هذه الضرائب تمّت الإشارة إلى أنّ الانتظام المالي هو مِن أبرزِ أسبابها وأنّ العجز الذي ازداد بسبب إنفاق الحكومة الحالية يفرض إقرارَ هذه الضرائب قبل انهيار لبنان وواقعِه الاقتصادي. ولفتَ ايضاً، سقوط اقتراح التصويت على اقتراح إلغاء زيادة الضريبة ١% على القيمة المضافة، فيما المناقشات الحادة حول المادة 3 المتعلقة ببطاقات الخلوي المدفوعة سلفاً. والمادة الخامسة المتعلقة بزيادة الضريبة على المشروبات الروحية أظهرَت انّ قانون الضرائب برمَّتِه لم يَبدُ مدروساً بما فيه الكفاية. وهذا ما أوحاه النقاش الاستفهاميّ الطويل الذي دار حوله، في حين تخوّفَ بعض النواب من انّ إقرار فرضِ الضرائب على الكحول المستورَدة سيهدّد الاتفاقيات الموقّعة بين الاتّحاد الاوروبي والحكومة اللبنانية، الأمر الذي رفضَه وزير الصناعة حسين الحاج حسن، لافتاً الى انّ هذه الدول هي سبب مآسينا ووضعِنا الاقتصادي المتأزّم حالياً.

وزير المال يطمئن
والجميل ينتقد
وقال وزير المال علي حسن خليل: بالقانون الذي أقرَرناه حَمينا السلسلة، وحفظنا الوضع المالي، ولا يمكن الاستمرار من دون إصلاحات تُعيد التوازن إلى الوضع المالي. واعتبَر أنّ هذه الإجراءات هي لتقليص نسبة العجز المتراكم. وأضاف: إذا احتسَبنا الإجراءات الضريبة، فإنّ 87 بالمئة لا تؤثّر على الطبقات الفقيرة، وبكلّ المعالجات التي اعتمدَتها الدول، ذهبَت إلى إجراءات جذرية.
ورأى رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل أنّ هذه الضرائب أقِرّت اليوم خارج إطار الموازنة. واعتبَر انّ ما حصل اليوم خطأ بحقّ الشعب اللبناني، وسوف يحاسِب عليه في الانتخابات النيابية. مضيفاً: سنرى إن كان هناك إمكانية للطعن في قانون الضرائب، وهذا الامر بحاجة إلى دراسة قانونية.
وأوضَح الجميّل أنّ الضريبة على الاملاك البحرية تُدخل 800 مليون دولار على خزينة الدولة، وهي وحدها كافية لتمويل السلسلة، وبالتالي أصبحنا اليوم نتكلّم عن تعويم ماليّة الدولة أو محاولة وضعِ التوازن فيها.

إضراب الجمعة
وفي أوّلِ تعبيرٍ عن الاعتراض على الضرائب، دعا حراكُ المتعاقدين ولجنتا الأساتذة المجازين في الأساسي وكلّية التربية إلى الإضراب العام في كلّ المدارس والثانويات ومرافق الدولة، ردّاً على زيادة ضريبة TVA. وكان متقاعدو القوى المسلّحة قد اعتصَموا في ساحة رياض الصلح تزامُناً مع انعقاد الجلسة التشريعية، بعدما تمّ إقفالُ مبنى الواردات التابع لوزارة المالية ومنعُ الموظفين من الدخول إلى مكاتبهم. وأكّدوا أنّ تحرّكهم جاء احتجاجاً على الظلم اللاحق بهم جرّاء الزيادة الهزيلة على معاشاتهم التقاعدية والاجتزاء منها.

والآن، ماذا بعد؟
بدأ الاتحاد العمالي العام حراكاً في اتجاه إقرار تصحيح للأجور في القطاع الخاص. وإذا تحقق ذلك، فستعم موجة جديدة من الغلاء والتضخم تؤدي إلى المطالبة مجدداً برفع الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص... في دوامة من لحس المبرد لا نهاية لها. وكل ذلك كان يستدعي أن تقوم الدولة كلها، ولا سيما القوى السياسية الفاعلة، بإقرار خطة إصلاحية متكاملة، تتعاطى مع القطاعين العام والخاص في شكل متوازن ومدروس، وتأخذ الضرائب حصراً من أمكنة الهدر والفساد التي لا حصر لها في الدولة، والجميع يعرفها ويراها.
ولكن، يبدو أن الذين أقاموا الدنيا من أجل الحصول على السلسلة لم يفكروا في الإصلاح... وكذلك السياسيون الذين زرعوا المحاسيب في إدارات الدولة ومؤسساتها لا يريدون المسّ بهم لألف سبب وسبب!


ط. ع
    قرأ هذا المقال   5603 مرة
غلاف هذا العدد