إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

أيار لناظره قريب: إنتخابات أم تمديد رابع؟
قانون الانتخاب الحالي قِصَّتُه قِصَّة. فغداة ولادته، جلس أعضاء اللجنة الوزارية في السراي ليدرسوه، فوقفوا أمامه عاجزين لا يفهمون منه إلا القليل. فاستغاثوا بالعديد من نواب لجنة الصياغة والخبراء الذين حضروا لفكفكة العُقَد والألغاز، ف تحسَّن وضعُهم قليلاً. ولكنهم، ومعظم الوزراء والنواب، مرَّروا قانون الانتخاب، على علاّته... وكأن هناك قطبة مخفية: مرِّروا القانون ولا تخافوا! ولكن، مَن سيشرح للناس كيف ينتخبون ويترشحون؟
في المبدأ، ليس هناك أي عذر منطقي لعدم إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر، بعد تمديد ثالث للمجلس النيابي، أيار/مايو 2018. لكن اللافت هو أن أياً من القوى النافذة في السلطة لم تبدأ جدياً ورشة الاستعداد لهذه الانتخابات، على رغم الأهمية التي ترتديها بالنسبة إلى الجميع.
ويجزم أركان الحكم ووزير الداخلية نهاد المشنوق أن الانتخابات ستجري في موعدها هذه المرة. ولكن ما يزال بعض القوى المعارضة يشكك في أن بعض الزعامات السياسية ربما بدأ يفتعل الأزمات لتبرير تعطيل الانتخابات، على مسافة 7 أشهر منها، وأن التمديد الرابع للمجلس النيابي ربما يكون قدَراً جديداً. وبين التوقعات المتناقضة، لا يَسَعُ اللبنانيين إلا التفاؤل بالخير لعلّهم يجدونه...
أكّدت مصادر رئيس الحكومة سعد الحريري أن لا نيّة عند أحدٍ في التمديد للمجلس النيابي الحالي، وشدّدت على أنّ الإنتخابات النيابية ستجري في موعدها في أيار/مايو المقبل. وقد تَقاطَع موقف الرئيس الحريري، لجهة تأكيده حتمية إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها الدستوري، مع موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي طمأنَ البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قبل أيام، الى أنّ الإنتخابات ستجري في أيار/مايو المقبل مهما كانت الظروف.
وشدّد الرئيس عون على ذلك أمام أعضاء هيئة الإشراف على الإنتخابات، الذين دعوا الى القصر الجمهوري لأداء قَسَم اليمين أمامه، داعياً إلى إحياء العمل البرلماني والحياة الديمقراطية في البلاد، والتي لا يتم تجديدها من دون الإنتخابات النيابية التي تشكل مناسبة لترجمة رغبات الشعب وطموحاته الوطنية وشوقهم الى قيام المؤسسات القوية. ودعا أعضاء الهيئة الى ممارسة المهام المنوطة بهم بكل حرية لتجسيد المهمة بوجوهها كافة، وعلى كل المستويات الإدارية والقانونية، لافتاً إلى أهمية إحياء المؤسسات الدستورية، ومنها السلطة التشريعية التي تضطلع بدور أساسي.

كذلك تقاطعَ موقف رئيس الحكومة مع موقف كلّ من رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام ل حزب الله السيّد حسن نصرالله اللذين شدّدا على وجوب أن تُجرى الإنتخابات في موعدها وعلى أساس القانون الجديد الذي أقِرّ.
وقال بري أمام زواره: يبدو أنّ الأمور قد حسمت. ليس هناك من تسجيل مسبق للناخبين ولا غير مسبق، ولا بطاقة بيومترية ولا غير بيومترية أو ممغنطة أو غير ذلك. فالانتخابات ستجري بشكل طبيعي وكالمعتاد في أماكن تسجيل النفوس وببطاقة الهوية وجواز السفر.
وحول ما اذا كان القانون الانتخابي يحتاج الى بعض التعديل، قال: التعديل غير مطروح، والقانون واضح. وأعلن رفضه القاطع لأي تأجيل للانتخابات أو بالأحرى أي تمديد جديد للمجلس النيابي حتى ولو لدقيقتين. وأكرّر، الزلزال وحده يعطّل الانتخابات، وليس أي شيء آخر.
ويوم الأحد الفائت، عقد لقاء في كليمنصو ضم الرئيسين بري والحريري في دارة رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط. وأكدت مصادر المجتمعين أن ملف الانتخابات النيابية كان أساسياً في البحث. وقد جرى التأكيد على ضرورة التخفيف من حدة الخطاب السياسي، والتنسيق بين القوى السياسية حول كل الملفات الداخلية خصوصاً تلك التي تتّسم بصفة الأولوية. وأشارت إلى أنّ هذا اللقاء يتمّ التحضير له منذ فترة، وأنه ليس موجّهاً ضد أحد، وإنّما أملته ضرورة التلاقي. وقد تمّت فيه جوجلة كل الملفات الداخلية، وتمّ التوقف خصوصاً عند ملف الإنتخابات النيابية.
وأشار جنبلاط بعد اللقاء إلى أنه تم الاتفاق على اهمية الاستقرار ومقاربة الأمور بواقعية، وأن تحصين لبنان يجب أن يبقى أولوية وفوق كل اعتبار.
وفي وزارة الداخلية أكد الوزير نهاد المشنوق من جهته، أن الانتخابات في موعدها. والتقى المشنوق سفيرة الاتحاد الأوروبي كريستينا لاسن وعرض لها خطة الوزارة وتحضيراتها لإجراء الانتخابات في موعدها. وبعد اللقاء، قالت لاسن: لقد شددنا كاتحاد أوروبي على أهمية إجراء هذه الانتخابات، وجددنا عرضنا لإيفاد بعثة مراقبة من الاتحاد. وأبدينا استعدادنا لمساعدة وزارة الداخلية اللبنانية في جميع الإجراءات المتعلقة بالانتخابات التي نرى انها خطوة مهمة للبنان.

العودة إلى بطاقة الهوية
إذاً، من جهة مبدئية، الجميع يريدون الانتخابات. وأقر مجلس الوزراء الأسبوع الفائت صرف اعتمادات لهيئة الاشراف على الانتخابات، كي تبدأ العمل وتستأجر مقراً وتؤمن رواتب العاملين فيها. وأكد الوزير المشنوق اثناء توجهه الى قاعة مجلس الوزراء أن الانتخابات النيابية ستجرى في موعدها بحسب هذا القانون العجائبي. وأوضح أنه سيتم تخصيص 130 مليون دولار لطبع البطاقة الممغنطة، حتى لو لم تستعمل في هذه الانتخابات.
وكشفت أوساط وزارية أن الإنتخابات ستجري ببطاقة الهوية العادية أو جواز السفر، بعدما تم طي صفحة الهوية البيومترية، نظراً إلى صعوبة توفيرها لما يقارب ثلاثة ملايين ونصف مليون لبناني في المهلة الفاصلة حتى موعد الإستحقاق.

ماذا عن بري والانتخابات المبكرة؟
ويسأل الجميع كيف تراجعت سريعاً عن الشاشة دعوة الرئيس نبيه بري إلى إجراء انتخابات مبكرة قبل نهاية العام الجاري، وكيف سحبها هو نفسه من التداول. ولكن، كان عبثياً التفكير في طرح من هذا النوع، لأن دونه الكثير من المصاعب السياسية لدى العديد من القوى، عدا المصاعب التقنية الهائلة التي تكاد تجعل التنفيذ أمراً مستحيلاً.
لكن المؤكد أن بري، الأستاذ، بالأصالة عن نفسه، وبالوكالة عن حزب الله، رمى حجراً أصاب فيه العديد من العصافير:
1- يتوافق التيار الوطني الحرّ والحريري على إدخال تعديلات أساسية في متن قانون الانتخاب. ومنذ اللحظة الأولى لإقرار هذا القانون، أعلن الوزير جبران باسيل الحاجة إلى إدخال تعديلات على العديد من بنوده ومندرجاته قبل مجيء موعد الانتخابات في أيار/مايو 2018. وقد أعلن بري معارضته أي تعديل، لأن الجميع يرغب في إعادة النظر في بعض البنود، كل من زاويته.
2 - يشكل تطيير الانتخابات الفرعية في كسروان وطرابلس مأزقاً معنوياً للجميع. ومن مصلحة بري أن يقدم صورة للرأي العام تثبت أنه متحمس للانتخابات.
3 - يدرك بري أن بعض القوى السياسية تحتاج إلى مزيد من الوقت للتحضير للانتخابات. ولذلك، يمكنه لعب ورقة الانتخابات المبكرة لتوجيه الرسائل السياسية إليها.
4 - يعتقد البعض أن بري يوجه رسالة عنوانها الانتخابات لكنها في المضمون تتعلق بملفات أخرى ساخنة مطروحة على طاولة مجلس الوزراء، وهو يقول لبعض القوى السياسية: أريد دوراً لي.
إذاً، كانت مسألة الانتخابات المبكرة مشهداً جديداً من مشاهد الكباش السياسي بين القوى التي توافقت، أواخر 2016، على إنتاج التركيبة القائمة، حيث يمارس بعض القوى لعبة عضّ الأصابع ليدفع الخصم إلى الصراخ والتسليم في مكان آخر.

عون والانتخابات
في أي حال، أبلغ رئيس الجمهورية ميشال عون كل القوى السياسية بأنه لن يسمح بأية مماطلة في موعد الإنتخابات، وأن عليها التعامل مع الموضوع على هذا الأساس. ويرتدي إجراء الانتخابات النيابية في موعدها أهمية خاصة بالنسبة إلى رئاسة الجمهورية. فعند انتخابه، أعلن الرئيس عون أن عهده لم يبدأ في تشرين الثاني/نوفمبر 2016، بل سيبدأ في صيف 2017، بعد إجراء الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في حزيران/يونيو وتشكيل حكومة جديدة. فجاء التمديد للمجلس حتى أيار/مايو 2018 ليؤجل بداية العهد.
ولذلك، هناك من يخشى، قبل 7 أشهر من الموعد المفترض للانتخابات، أن يقوم البعض برمي العصيّ في دواليب الاستحقاق، ما يوحي بأن احتمال تطييره وارد جدّياً، بعدما تمّ التوافق على تطيير الانتخابات الفرعية بدم بارد، ما يضطر عون إلى الانتظار أكثر من أجل أن يبدأ عهده الحقيقي.
وكلام رئيس الجمهورية على الربط بين بداية العهد وإجراء الانتخابات النيابية يعني أنه يصرّ على الوفاء بكل الوعود التي قطعها للناس. وتالياً، هو يعني أن عون يثق تماماً في أن الانتخابات المقبلة ستتكفل بعزل جزء مُهمّ من هذه التركيبة السياسية الحالية وانفراط عقدها ونشوء دينامية جديدة منتجة في المجلس النيابي والحكومة.
ويراهن عون على أن المعطيات التي تعوق انطلاق العهد في عملية التغيير المطلوبة ستتبدل بعد الانتخابات. فهو يطمح إلى قانون انتخاب واضحٍ، يتكفّل بالتغيير، ويرفض التمديد للمجلس مجدداً، أياً كانت الذرائع. ولكن، ما حصل هو استيلاد قانون يحتاج إلى الكثير من الإيضاحات، حتى بالنسبة إلى صانعيه. وفي أي حال، هو ليس القانون التغييري المثالي، لأن الطبقة السياسية التي فرضته على عجل سعياً إلى التمديد، تدرك أنه ليس جديراً بالتنفيذ الصحيح من دون إدخال تعديلات أساسية عليه. والدخول في هذه التعديلات سيؤدي إلى نزاع كبير حوله ربما يعيد خلط الأوراق رأساً على عقب.
وإذ يصرّ الرئيس عون على المضي في مسيرة الإصلاح، فإن رائحة الفساد والصفقات وتجاوز الدستور تفوح من أمكنة كثيرةفي المؤسسات العامة.وصحيح أن القلائل قادرون على إثبات هذا الفساد والتجاوزات، ولكن، لا أحد يستطيع إنكارها أيضاً. وانتفاضة المجلس الدستوري بقعة ضوء في ظلام الجمهورية، لكنها لا تكفي. والذين يعرفون الرئيس عون يدركون أنه صاحب شخصية نضالية لا ترضخ للضغوط، ولذلك هو سيواجه التحديات التي تعترض مسيرة العهد. وفي الطليعة، هو سيصر على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر. فهي السبيل الأبرز إلى الإصلاح والتغيير والتخلص من عادة تجاوز الدستور والقوانين والقبول بالاستقواء على المؤسسات.

تعقيدات اللعبة
هناك من يعتقد أن عون، ومعه الرئيسان بري والحريري، لن يسمح بتطيير الانتخابات مجدداً لأنها بالنسبة إلى العهد مسألة مصيرية. ولا مجال لإحداث خرق في الطبقة السياسية القائمة إلا باعتماد هذا السبيل، وعلى أساس قانون يتيح التغيير.
ولكن، تقول مصادر معارضة، تكمن المشكلة في أن هذه الطبقة إياها هي التي تمسك بيدها قرار الاستحقاق الانتخابي برمته. فهي قادرة على تطيير الانتخابات والقوانين إلى أجَل غير مسمّى. وهي تتكفل بضمان مصيرها بنفسها، وليس في لبنان أي قوة قادرة على أن تهزم هذه الطبقة السياسية التي استطاعت أن تجتمع ضمن صفقة واحدة في المجلس النيابي والحكومة على حدّ سواء.
وتضيف المصادر المعارضة: هناك تعقيدات في اللعبة الجارية تمنع رئيس الجمهورية من التصدي تماماً للتجاوزات، لأن كثيرين من أبطال هذه التجاوزات يحظون بالتغطية المتعددة الأوجه، السياسية وغير السياسية، وقد يكون متعذراً الاصطدام بهم وتعريتهم.
لكن أوساطاً قريبة من عون تطمئن القلقين على مسيرة الإصلاح بأن كل الأمور ستأخذ طريقها الصحيح بعد الانتخابات، وأن رئيس الجمهورية لن يفرط ب 6سنوات تشكل أمامه فرصة لبناء الجمهورية القوية التي وعد بها. فمن أصل السنوات ال 6، مضى العامان الأّولان... ولو جرت الانتخابات النيابية في موعدها الافتراضي في أيار/مايو 2018.
ويقال عادة في لبنان إن رؤساء الجمهورية يمضون العامين الأوّلين من العهد للتمكن من الإمساك بالحكم ومفاصله، ويكونون في ذروة القوة في العامين التاليين، ثم يبدأون الاستعداد للخروج أو التمديد!... في العامين الأخيرين.
لكن الرئيس عون ليس من قماشة هذا النوع من الرؤساء، فهو يريد استثمار العهد بأقصى ما يمكن من أجل الجمهورية القوية. والانتخابات هي المدخل إلى ذلك. وقد ظهرت طلائع هذا الإصرار في الخطوات التي تمكن من تحقيقها حتى اليوم، على رغم كل الصعوبات والعراقيل. وهو يستفيد من انسجامه الاستثنائي مع رئيس حكومة وفاقي ومنفتح هو الرئيس سعد الحريري للانطلاق في عملية بناءالمؤسسات. وفي أي حال، إن أيار/مايو لناظره قريب!

طوني عيسى
    قرأ هذا المقال   5625 مرة
غلاف هذا العدد