إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

ما الذي يقود المجتمع اللبناني المسالم إلى جرائم القتل؟
حزيران اللبناني: عشر جرائم قتل في عشرة أيام!
ماذا يصيب المجتمع اللبناني؟
هذا السؤال مطروح بقوة، على المستويات السيكولوجية والاجتماعية والأمنية بعد التزايد غير المسبوق في منسوب الجريمة الاجتماعية في لبنان. فما تكاد تمضي أيام معدودة بعد الجريمة المرتكبة ليهتزّ المجتمع اللبناني بجريمة أخرى.
وتعتبر جريمة القتل بعيدة عن أخلاقيّات اللبنانيين المعروفين بأنهم يتميزون بالرقة في التعامل والمسالمة ولغة المنطق والحوار. ولكن، يبدو أن عوامل جديدة غريبة عنه أخذت تتحكم بهذا المجتمع، نتيجة التراكمات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية العاصفة في السنوات الأخيرة.
واللافت هو أن جيران القاتل أو الضحية يعطون أحياناً شهادات إيجابية بسلوك القاتل لجهة رجاحة عقله وعدم وجود دلائل سابقة في بعض الأحيان الى استعداده لارتكاب جريمة. ويبدو أن من العوامل المشجعة على ارتكاب هذه الجرائم بيئة حاضنة ينتشر فيها السلاح بكثافة. ففي لبنان كثير من المنازل التي تقتني سلاحاً حربياً، إما بشكل قانوني عبر رخص السلاح، التي تمنحها وزارة الدفاع، أو غير قانوني عبر السوق السوداء النشطة.
الحالة السياسية في لبنان وتداعياتها على الشباب:
فعلى الرغم من انتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والخروج من الفراغ الرئاسي في لبنان الا أن ذلك لم ينعكس إيجابا الى الآن على واقع الحياة اللبنانية بسبب عدم اكتمال المشهد السياسي عبر انتخابات نيابية تضع حدا للأزمة السياسية اللبنانية وتمنح الحكومة فرصة التفرغ الى قضايا الناس وأفراد الشعب اللبناني.
ويشير البعض إلى انسداد الآفاق في صفوف الشباب اللبناني، وخصوصاً المتعلم منه، وانتشار البطالة بين صفوفه مما يدفعه الى اليأس، وبالتالي إصابته بأوبئة اجتماعية كالمخدرات والجريمة المنظمة كالسرقة وعصابات ما يعرف بالخوّة وحتى القتل. كما أن النزوح السوري الضخم الى لبنان وحلول يد عاملة سورية رخيصة في السوق اللبناني ساهم في العديد من المشاكل الاجتماعية وبقاء العامل اللبناني في منزله حبيس اليأس الّذي قد يودي بحياة أحد أفراد عائلته ضحية لرصاصة أو طعنة يأس.

هذه العوامل جزء من سلسلة عوامل أخرى تستهدف اللبناني في لقمة عيشه، وتدفعه بعيداً عن اخلاقيات هذه المجتمع الطيّب. ويرى خبراء إجتماعيون أن على الدولة اللبنانية أن تتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها عبر مكافحة الجريمة المنظّمة، وجمع السلاح المنتشر، وإنهاء الأزمة السياسية في لبنان وتوفير فرص عمل للشباب اللبناني. فيما طالب وزير الداخلية نهاد المشنوق بالعودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام التي توقفت منذ تسعينات القرن الماضي بسبب رفض رئيس الحكومة آنذاك سليم الحص التوقيع على مرسوم بإعدام أحد المحكومين.
فهل يشكّل هذا الخيار حلاً لأزمة الجريمة المتفاقمة، أم هناك حاجة إلى علاجات أخرى أكثر تعقيداً؟ وهل مسؤولو لبنان الغارقون في الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية يمتلكون الوقت الكافي، ولديهم الوعي اللازم، ليدركوا مخاطر الأزمة وتداعياتها قبل فوات الأوان؟

كان المهندس الشاب روي حاموش 23 عاماً، المعروف في بيئته بهدوئه ودماثة خلقه، عائداً من سهرة عيد ميلاده. وفي الطريق، وقع خلاف نتيجة تصادم غير مقصود بين سيارته وسيارة بي إم دبليو داكنة الزجاج فيها ثلاثة مسلحين. وبقي المسلحون يطاردونه مع رفيقه جوني نصار إلى محلة الكرنتينا حيث تمكنوا من تطويق سيارة المغدور وانزلوه وأجبروه على الركوع واطلقوا الرصاص على رأسه، ما أدى إلى مقتله على الفور في حين تمكن صديقه من الهروب من الرصاص الذي كان يستهدفه أيضاً.
وعاينت القوى الأمنية الكاميرات في مكان الحادث لتبيان هوية المسلحين. وبناء على التحقيقات والمتابعة، توصلت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، بناء على توجيهات اللواء عماد عثمان، إلى إلقاء القبض بسرعة قياسية على المشتبه به محمد حمد الاحمر وضبط المسدس المستخدم وقنبلتين يدويتين.
والموقوف من مواليد 1984، ووالدته من آل المقداد. وقد اعتقل فيما كان مختبئاً عند صديقته في محلّة برج حمود. وهو اعترف بجرمه وتمّ التعرّف عليه من خلال بصماته المطبوعة على باب سيارة روي وفرشها، خصوصاً أنه كان قد سُجن في وقت سابق ولديه أسبقيات جرمية وتمّ أخذ بصماته من قبل محفظة الجنايات في الشرطة القضائية، ممّا سهّل التعرّف عليها ومن ثمّ على موقعه ومكان تواجده سريعاً. كما ألقت القوى الأمنية القبض على شريكه في الجريمة هاني المولى وهو من البقاع وكان متوارياً في منطقة جبيل، كذلك أوقف سائق السيارة التي طاردت المغدور.

10 جرائم في 10 أيام!
وجريمة قتل الشاب حاموش جاءت وسط موجة جرائم يومية، متعمدة أو برصاص طائش، على مدى الأسبوع الأول من حزيران/يونيو، كالآتي:
1 حزيران/يونيو مقتل الطفلة لميس نقوش برصاصة طائشة في بعلبك.
2 حزيران/يونيو مقتل شخص في مخيم البداوي بعد إصابته برصاصة طائشة في رأسه.
3 حزيران/يونيو مقتل الشيخ نضال الدنف إثر إشكال بينه وبين المدعو مشهور الدنف تطوّر إلى إطلاق نار في بعلشميه.
4 حزيران/يونيو مقتل الشاب إيلي كريدي في أدونيس، وهو مدرس، بطعنات في أنحاء مختلفة من جسمه. وفيما تردد أن الطعنات ناجمة عن ضربات بالسكين، تحدث البعض عن انتحار كريدي بإلقاء نفسه من شرفة المنزل، حيث علق في أسلاك الكهرباء التي أحدثت طعنات في الجسد.
6 حزيران/يونيو مقتل الشابة آية حسين رحمون في بعلبك جراء إصابتها عن طريق الخطأ بطلق ناري في الرأس.
7 حزيران/يونيو مقتل الشاب روي حاموش بعد إطلاق النار عليه على أوتوستراد الدورة.
7 حزيران/يونيو أيضاً: مقتل شخصين في كفرملكي على أفضلية مرور.
7 حزيران/يونيو أيضاً، اقدم شبان على قتل المدعو اسماعيل زعيتر في رياق لأخذ ثأرهم بعد مرور 14 سنة على حبسه بجريمة قتل ارتكبها بحق ذوي الجناة. وعلى الأثر، قام مجهولون في مدينة بعلبك، محلة التل الأبيض، على إطلاق النار في الهواء ابتهاجاً بالثأر.
وفي 11 حزيران/يونيو، أقدمت نيروز شاهين على طعن محمد علي صالح في صدره، في منزله في الشويفات، فقتل. ويتردد أن خلفيات الجريمة تعود الى ان المغدور كان يريد الزواج من فتاة قاصر وحصلت الجريمة بعد رفض والدتها للأمر، فيما تحدث البعض عن دوافع السرقة.
سبق ذلك، في 22 أيار/مايو قام زوج ماجدة حيدر التي تعمل معلّمة في إحدى مدارس جويا، بطعنها في عنقها بسكين المطبخ، في شقتها في صور. واعترف الزوج الذي أوقفه جهاز المعلومات، بإقدامه على قتل زوجته بسبب الخلافات العائلية المتكررة والمستمرة بينهما. وترددت معلومات أن سبب هذه الخلافات هو زواجه من أخرى من الجالية الأثيوبية، وهو عاطل عن العمل منذ فترة.
وقال الموقوف انه اقدم على طعن زوجته بواسطة سكين ألقاه في البحر في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.

بعلبك وموجة القتل
وانتفضت بعلبك أكثر من مرة، خصوصاً بُعيد مقتل شاب من آل الصلح، والطفلة لميس نقوش، وآية رحمون التي لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، إبنة شرق بعلبك، التي انطفأت حياتها بمسدس حربي عن طريق الخطأ ،في ظل أربع فئات من المخلّين بالأمن:
1 - أفراد يقومون بسرقة السيارات وأعمال الخطف.
2 - أفراد يتاجرون بالمخدرات، ويرتبطون بعصابات في مناطق اخرى.
3 - أفراد يمكن وصفهم بالزعران يقومون بأعمال القتل والمشاكل.
4 - أفراد يقومون بأعمال الخوة والاعتداء على ارزاق الناس.
وعرفت المدينة مسيرات واعتصامات أهلية عارمة رفعت الصوت في وجه من وصفتهم بالقتلة، ولم تغب شعارات طالبت برفع الغطاء السياسي عن المرتكبين. إلا أن الأخطر في التداعيات كان يمكن أن يؤدي الى فتن أهلية، لولا وعي الفاعليات. وهذا ما عبّر عنه مفتي بعلبك - الهرمل الشيخ خالد صلح عندما حذر خلال تأبينات منفصلة لضحايا الموت المجاني، من مغبة الاستمرار في توفير الغطاء السياسي للمرتكبين. ونبّه الى أن خيار الناس هو الدولة وسلاح الشرعية ولن نسمح بجرنا الى فتنة، وهو الموقف الذي حكم ردود أفعال ذوي ضحايا كثر في دير الأحمر والهرمل وبدنايل وعرسال وغيرها.
وما شهدته بعلبك، عرفته زحلة بعيد مقتل الشابة سارة سليمان، وقبلها بعد خطف طفل من آل الصقر وما بينهما ارتكابات بالجملة من سرقة وتعديات وخطف وقتل. وكادت واحدة من ردود الفعل تؤدي الى فتنة أهلية، عندما نزل الزحليون الى الشارع مهددين بالرد على ما يتعرضون له.

رصاصة تطيح بحلم عروس بدنايل
ففي 7 أيار/مايو، قتلت الشابة المثقفة والنابضة بالحياة سارة سليمان 24 عاماً متأثرة بجروحها بعد إصابتها برصاصة طائشة في رأسها جراء إطلاق نار أمام ملهى blue bar في زحلة. كما أصيب شاب آخر برصاصة في رجله.
ومطلق النار هو قاسم رفيق المصري المعروف ب طه المصري، الذي كانت قد صدرت بحقه سابقاً 4 مذكرت توقيف. والمصري أطلق النار عشوائياً أمام الملهى على خلفية اشكال على أفضلية مرور.
وأيدت أوساط بعلبكية دعوة الوزير المشنوق إلى تنفيذ أحكام الإعدام بحق القاتلين عمداً، وقالت: ما من شيء يردع المرتكبين والمدعومين سوى قصاص مماثل لما دفعته الضحية، ففي ذلك عبرة لهم ولأمثالهم. وذكر بفاعلية القانون في عهد رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي، عندما وقّع قراراً يتيح العمل به، ونفذه فوراً بمرتكبي جريمة قتل رجال أمن في بلدة قب الياس. وجرت وقائع إعدام الجناة في ساحة شتورا، وكان لقرار الهراوي حينها أصداء إيجابية تركت آثارها المباشرة على معدل الجريمة في لبنان.
أما الجريمة الثانية في منطقة صور، فكانت قتل الرجل الثمانيني من آل الخيامي على يد العاملة الاجنبية التي أقدمت على ذبحه، قبل توقيفها في أحد البساتين.
وهناك جريمة قتل أخرى في برجا- الشوف ارتكبتها إحدى العاملات الاجنبيات إذ طعنت ربة المنزل بالسكين وهي حامل. وقد نجت السيّدة لكنها خسرت الجنين.

الجرائم بالارقام
المؤشر مرتفع
ودلّت الأرقام الأخيرة في مسلسل الجرائم شبه اليومي المتنقل من الشمال الى الجنوب فالبقاع، أن الأشهر الثلاثة الأخيرة شهدت مقتل 26 شخصاً بجرائم فردية. وبلغة الأرقام، فإنه منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية أيار/مايو 2017 قبل شهر من إنقضاء النصف الاول منه وصل عدد جرائم القتل الى 107 بحسب إحصاءات الشركة الدولية للمعلومات، وهو رقم يعكس ارتفاعاً في عدد القتلى مقارنة مع 73 قتيلاً في النصف الأول من العام الماضي و74 من النصف الأول من العام 2015، وبمعدل 20 جريمة شهرياً و5 جرائم أسبوعياً. وبالتأكيد، فإن المعدل السنوي لهذا العام سيكون مرتفعاً جداً في حال استمرت وتيرة الجرائم على ما هي عليه.
فالمجتمع اللبناني، وبحسب علم الاجتماع وعلم القانون، أصبح فعلياً يتّسم بظاهرة الجريمة، لدرجة أن الخبر عن حادثة أصبح عادياً: رجل يقتل زوجته بطريقة وحشية، مواطن يقتل آخر في وضح النهار بسبب أفضلية المرور أو بسبب موقف سيارة، صديق يقتل صديقه من أجل مبلغ زهيد من المال.. وغيرها من جرائم القتل.
ولأنه لم يعد بالإمكان تجاهل الظاهرة التي تعكس وجهاً من الوجوه الأشد خطورة في الواقع الاجتماعي، بحيث لا يكاد يمر يومان إلا وتحصل جريمة وربما أكثر في مختلف المناطق اللبنانية ولو تنوعت الدوافع والأسباب والظروف الخاصة بكل جريمة، يصبح تعداد الجرائم أشبه بقائمة طويلة مرعبة.
يحتلّ لبنان المرتبة السابعة عربياً والمرتبة 39 عالمياً، في مؤشّر الجريمة العالمي للعام 2016 الذي ضمّ 117 دولة، وصنّف من ضمن الدول التي تسجّل معدّل جريمة معتدلاً. وأما الإحصاءات الصادرة عن قوى الأمن الداخلي فتفيد أن لبنان سجّل في العام 2014 نحو 315 حادثة قتل، وأن الرقم انخفض إلى نحو 233 حالة في العام 2015، ومن ثمّ إلى 149 حالة في العام 2016.
ولكن من بداية العام الجاري،وحتى نهاية أيار/مايو الماضي، سجّل لبنان نحو 90 حادثة قتل. ويتوقّع الباحث في الدوليّة للمعلومات محمد شمس الدين أن يتخطّى العدد في نهاية هذا العام المئتَي حالة إذا ما بقيت وتيرة الجرائم على ما عليه اليوم. وفي تحليله لهذه الأرقام، يربط شمس الدين بينها وبين انتشار السلاح الرسميّ وغير الرسميّ، والمرخّص وغير المرخّص، في ظلّ غياب أي إحصاء رسميّ عن عدد رخص حمل السلاح الممنوحة من قبل الدولة، والتي تقدّر بنحو 30 ألف رخصة، انخفضت خلال الفترة السابقة بمعدّل ٤٠%. وقد ألغى وزير الدفاع يعقوب الصرّاف كل الرخص الصادرة في عام 2016، لكنّه يبقى رقماً كبيراً إذا أضفنا إليه الرقم غير المعلوم للسلاح غير المرخّص، ما يؤشر إلى سهولة الحصول على السلاح، ويضاف إلى ذلك بحسب شمس الدين السلاح الرسمي الذي تحمله القوى الأمنيّة البالغ عديدها نحو 120 ألف عنصر، والذي كان وراء الكثير من الجرائم التي ارتكبت أيضاً.
وتركّز الأمم المتحدة على أربعة أسباب تؤدّي إلى ارتكاب الجريمة وهي:
1 - الفقر الذي يؤلّد يأساً وغضباً.
2 - مناخات الحرب والتسليح والمخدّرات والفلتان.
3 - مناخات الطائفيّة والعنصريّة التي تؤجج النفور.
4 - التقاليد المشجّعة على الثأر والعنف.
ويرى أستاذ علم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانيّة الدكتور نزار أبو جودة أن غياب الدولة والقانون والعقاب له الدور الأساسي في ارتفاع نسبة الجريمة، بالتلازم مع النظام الطائفي الفاسد الذي يقف حجر عثرة أمام العقاب والمساواة في العقاب، بحكم المحسوبيات، وفقدان الثقة بالدولة وأجهزتها الأمنيّة والقضائيّة. فنحن نعيش في دولة مزارع وطوائف تبعدنا عن الدولة المدنيّة التي تضع الكلّ تحت سقف القانون.
ويضيف: هناك شقان يؤديان إلى ارتكاب الجريمة، أولهما نفسي يولّد يأساً وإحباطاً، ويُعزّز غالباً بتفشي المخدّرات ويؤدّي إلى ارتكاب جرائم، وشق اجتماعي واقتصادي وسياسي، يكرّس فقراً وظلماً ولامساواة وشعوراً جماعياً بالحرمان الحقوقي، ويشجّع على حمل السلاح وثقافة الثأر، ولا يخلق فرص أمل بالمستقبل، وفي ظلّ غياب أية استراتيجيّة لبناء دولة القانون والمواطن. فتتكاثر عندها ردّات الفعل الأوتوماتيكيّة والآنيّة والعمياء، علماً بأن القتل لا يُلغى بقتل القاتل الذي يولّد خوفاً مرحلياً وغضباً ثأرياً على المدى الطويل، وإنّما بقتل مسبّباته. ويضاف إلى هذين الشقين عرض صور العنف والذبح المنتشرة إقليمياً التي ساهمت في ترويج مشاهد القتل وخلق إرهاق عاطفي لدى المتلقي، وجعلها أمراً عادياً ومسموحاً. إضافة إلى مساهمة الإعلام في الترويج لقواعد سلوكيّة وتفكير تشجّع على الجريمة من خلال أعمال وأفلام تصوّر القتل وتجارة المخدّرات بصور بطوليّة.

العدالة الانتقائية
ويعلق أستاذ العلوم الجنائية والعقابية العميد فضل ضاهر، بأن هناك نوعين من الجرائم: الأول يتمثّل بالجرائم ضدّ الأموال والمتعلّقة بعمليات الفساد والاختلاس والسرقات وغيرها، وهي غالباً ما تكون من سمات المجتمعات الصناعية المتقدّمة. والنوع الثاني المتمثل بالجرائم ضدّ الأشخاص التي أخذت تتزايد في لبنان أخيراً.
وبرأيه، فإن الجرائم ضدّ الأشخاص تزيد الشعور باللاأمان في المجتمع، لافتاً إلى العلاقة الجدلية بين ارتفاع عدد الجرائم ضد الأشخاص وهذا الشعور، عازياً الأسباب إلى ما أسماه العدالة الانتقائية. بمعنى آخر، الاستنسابية في تطبيق القوانين والعدالة والانتقائية في الالتزام في المحاسبة. وبالتالي، هذا الواقع يخلق أنماطاً عنفية تؤدي إلى هذه الجرائم، إضافة إلى توافر وسائل القتل بنحو مباح وتفلّت السلاح، فضلاً عن الاصطفافات الحزبية وحماية الأحزاب التي تؤمنها لبعض الخارجين عن القانون.
من هنا، يطرح ضاهر ضرورة وضع خطط اجتماعية وطنية تلحظ وسائل فعالة للتوعية وآليات واضحة تستهدف خفض معدلات هذه الجرائم، عبر معالجة أسباب تزايدها أولاً.

الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية
ويقول العميد السابق للمعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية الدكتور طلال عتريسي: غالباً، في حالات الجرائم العائلية، تكون الجريمة ذات بعد نفسي أو اقتصادي أو أخلاقي. ففي البعد الاقتصادي فقر، ديون...، الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة تدفع الناس الى السرقة والاعتداء وقد يقتل نفسه فقط، وفي البعد الأخلاقي يقتل الآخرين وقد يقتل نفسه، لكن الرائج حالياً هو حالات الاكتئاب أو المرض النفسي حيث ينهي حياته وحياة العائلة أو بعض أفرادها.
ويشير إلى أن الثقافة السائدة والذهنية في مجتمعنا باتتا بحاجة إلى تغيير. فهناك جو عام متوتر وعنف مكبوت، ونشاهد كيف أن اللبناني يستسهل قتل أخيه اللبناني على أفضلية السير أحياناً، أو بسبب الضغط المستمر على الزمور.
ويضيف عتريسي: كما أن التوتر العام المحيط بلبنان سواء في سوريا أو في بلدان أخرى، وما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهواتف الذكية، تشجع من حيث تدري أو لا تدري، على القتل والسرقة والاعتداء، وتروج للعنف من خلال نقل مشاهد سفك الدماء والجرائم المروعة والإعدامات، حتى أصبح القتل عملية أكثر سهولة طالما أن النظر اعتاد عليها، بعد أن كان المشهد منفراً في البداية.
ويتوقف عند أسباب أخرى منها: تراجع هيبة القانون وفرض النظام. فهناك جرائم كثيرة لا تحل بشكل واضح وسريع عبر القانون، لهذا السبب يلجأ الناس الى ارتكاب الجرائم بشكل شخصي للانتقام بهدف تحصيل الحقوق أو رد الاعتداء. ويشدد على أن العقوبات هي العامل الأهم، لأنها تشكل الرادع، موضحاً وجوب أن تكون هناك عقوبات قاسية وواضحة وعلنية، لكي يفكر الإنسان مئة مرة قبل ارتكابه الجريمة، لأنه في كل بلدان العالم، هناك جرائم تُرتكب لكن هناك قوانين وعقوبات تنفذ بحق مرتكبيها. نحن بحاجة إلى مثل هذه القوانين والعقوبات والتنفيذ الواضح ومن دون أي تردد. فالكثير من مسلسل الجرائم شبه اليومي متعلق بشعور المجرم بأنه قد ينجو بفعلته، وهذه مسألة خطيرة جداً.
ويرى أن غياب القانون الردعي له دور في ارتفاع نسبة الجريمة لأن من يرتكب الجريمة، يرى أن من سبقه في هذا السياق لم يمكث في السجن سوى بضعة أشهر، أو أنه أفرج عنه بكفالة أو تدخل أحد السياسيين أو شخصية نافذة لإطلاق سراحه.

إعدام أم لا إعدام!؟
في كلِّ مرَّةٍ تقعُ فيها جريمة قتل في لبنان، ترتفع بعض الأصوات التي تُطالب بإنزال عقوبة الإعدام بالقتلة والمجرمين للحدّ من معدّلات الجريمة ولردع الإنسان عن استباحة حياة إخوته. ويذهب البعض لإستجلاب الحجج الدينيّة ليُدافع عن رأيه، فيما يذهب البعض الآخر إلى نبش بعض البراهين التاريخيّة التي قد تؤيد وجهة نظره. وقد طالب وزير الداخلية بالعودة إلى الإعدام.
في المقابل، يرى البعض أنه لا بدّ من المعالجة الجذريّة للأزمة، وأن الطريقة الأنسب هي بالبحث عن أسباب الجريمة واجتثاثها من المجتمع ومن ثقافته. فجرائم القتل التي يرتكبها البعض هي جرائم جماعيّة تشترك بها الأسرة والمجتمع والثقافة، ناهيك عن الإعلام والفساد السياسيّ والإنسانيّ على حدٍّ سواء. وقد يكون القاتل هو من ضغط بإصبعه على زناد المسدس ولكن هناك العديد من الأسباب التي دفعته إلى هذا الفعل، وهناك العديد من الأصابع المعنويّة التي شاركته الجريمة من خلف الكواليس.
وسواء كان الإعدام معتمداً أو لا، فالأحرى هو وضع حد للسلاح الذي يزداد تفلُّتاً، والذي يجد الغطاء السياسيّ. وقد يكون مفيداً التفكير: هل البلدان التي تعتمد عقوبة الإعدام نجحت في الحدّ منه كما البلدان التي تعتمد مبدأ إعادة التأهيل، كالدول الإسكندينافيّة التي تحوَّلت سجونها إلى مدارس ومراكز تأهيل؟
وجهتا نظر حول الإعدام، كمبدأ أخلاقي، لكل منها مبرراته وحججه. ولا يريد اللبناني أن يدخل في جدالات فلسفية حول مبدأ الإعدام. كل ما يريده هو انحسار الجريمة وعودة المجتمع اللبناني الطيب والمسالم إلى ما هو عليه حقاً، بالإعدام أو بدونه!
    قرأ هذا المقال   11682 مرة
غلاف هذا العدد