إختر عدداً من الأرشيف  
جعبة سعيد فريحة

أنَا مُتَّهَمٌ
نعم، أنا متهم في دار الصياد بما يلي:
أولاً: الاكثار من الرحلات والاسفار.
ثانياً: الانصراف الى الفن الشعبي وفرقة الأنوار.
ثالثاً: اختفاء الحب والغزل والمغامرات العاطفية من الجعبة.
رابعاً: الاستسلام للنرفزة عندما أكون في المكتب.
هذه هي التهم المنسوبة الى الداعي... وأعترف بصحتها كلها، كما اعترف بأن استمرارها لا يجوز، فإما أن أعتدل، كما انذرني بعض الرفاق، أو أن اعتزل...
وطبعاً لن اعتزل؛ لأن الصحافة في دمي، ولأن قلمي الذي مارس هذه المهنة طوال أربعين عاماً لا يزال، والحمد لله، مثل قلبي، شاباً لا يشيخ.
ولكن، هل معنى ذلك أن اكسر رجلي واقعد في المكتب وفي البيت، ولا اغادرهما في أية رحلة او سفرة تهدىء الاعصاب وتجدد الشباب؟
وهل معناه، بالنسبة الى التهمة الثانية، أن أتخلى تماماً عن الفن الشعبي وفرقة الأنوار، بعدما اصبحا جزءاً لا يتجزأ من ايماني بهما وبضرورتهما لوطني لبنان؟
وهل معناه، بالنسبة الى التهمة الثالثة، أن اضرب بوقار السن والاعتبارات العائلية والاجتماعية عرض الحائط، وأعود كلياً الى الهوى والشباب وكتابة الجعبة؟
وهل معناه، بالنسبة الى التهمة الرابعة والاخيرة، أن أترك النرفزة واستسلم لانشراح الخاطر... وأنا أمارس الصحافة، ورئاسة التحرير، ومسؤولية العمل المرهق، والتعرض للرقابة الدائمة والرابضة فوق المكتب مُباشرة؟

اذا كان معنى الاعتدال وعدم الاعتدال أن افعل هذا كله، فاسمحوا لي بأن اقول، وبنفسٍ حزينة: صلوا لأجلي...
إن الحرمان من متعة السفر وفوائده الخمس، أو الخمسين، ظلم بحقي أنا الذي لا أسافر الا لأعمل بنصيحة الطبيب الصديق، عند الضيق، روبير كرم وهي: اذا اردت أن تنجو من خطر السكري فاياك أن تنرفز... واذا اردت أن تنجو من أخطار النرفزة فابتعد عن التليفون.
والابتعاد عن التليفون يعني، في لغة الطب، الابتعاد عن المكتب والبيت والوطن العزيز.
وكنت في كل مرة أبتعد فيها، اجد من المتعة واسباب العافية، ما يجعلني ازداد ايماناً بالنصيحة القائلة: سافروا تصحوا وتسعدوا وتشتاقوا في الوقت نفسه الى الوطن والاهل وأسرة التحرير!
غير اني سافرت كثيراً، واكثر من اللزوم... لذلك قررت ان اعتدل في مسألة السفر!
أما مسالة الفن وفرقة الأنوار، فأحب ان اعلن على رؤوس الاشهاد اني لا اعتز في حياتي كلها بشيء اعتزازي بفرقة الانوار التي كانت أول فرقة فنية انطلقت من لبنان، بل من الشرق العربي كله، الى عواصم الغرب، لتنتزع الاعجاب والتصفيق لفننا، لفولكلورنا، لحضارتنا، لنجاحنا كأشخاص...
ولكن هذا النجاح يجب الا ينسيني اني صحافي ولست امبرازاريو...
وأن الانصراف الى الفن الشعبي، وفرقة الأنوار على حساب الصحافة أمر لا يجوز أن يستمر.
لذلك قرّرت ان اسلم فرقة الانوار الى أيد امينة سبق ان أسهمت الى حدّ كبير في تكوين هذه الفرقة وانطلاقتها الهادفة والناجحة لتكمل بها تأدية رسالة الفن الشعبي على أرفع مستوى.
وسأظل وراء الفرقة بكل حبّي ووفائي الى ان ترتقي حكومتنا الى مستوى الاشخاص وتستلم الامانة الغالية.


يتبع
    قرأ هذا المقال   1972 مرة
غلاف هذا العدد