إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

لغز التعثّر الحكومي: مَن يسيطر على القرار 4 سنوات؟
8 آذار تطمح إلى حكومة تعكس الغالبية النيابية و14 آذار تريد ضمانة الثلث المعطّل
دخل التكليف شهره الثاني، وأمّا التأليف فيراوح بين نوبة تسحب به نحو الايجابية والتعجيل في تشكيل الحكومة، وبين نوبة تشاؤمية تُفرمل محركات التأليف، وتعود به الى المربّع الاول. وفي الحالين، تنتاب البلد موجات من الأسئلة حول أسباب التأخير بين داخلية مستعصية وشروط معقّدة غير قابلة للتنفيذ، وبين خارجية غير منظورة لا تشجّع على تشكيل حكومة في لبنان في المدى القريب.
لكن المؤكد هو أن الرئيس المكلف سعد الحريري عازم على إحداث خرق في أقرب ما يمكن، على حدّ ما يؤكد مقرّبون منه. لكنه في هذه الحلبة لا يستطيع ان يصفّق

وحيداً. فهناك قوى متصارعة ترفع أسقفاً عالية على خط التأليف، وتتبادل الطروحات والشروط الصعبة التحقيق. ويبدو أن الرئيس الحريري يحتاج إلى مزيد من الوقت للتوفيق في ما بينها وتأليف الحكومة. وقالت مصادر الرئيس الحريري إنه لن يستسلم للسلبية، وسيستمر في الدفع نحو تشكيل الحكومة في أقرب وقت ممكن.
وفي اعتقاد مصادر سياسية مواكبة أن عمق أزمة التأليف لا يتعلق بالحصص التي يتمسك بها بعض الأطراف الداخليين، بالمعنى الضيق للكلمة، بل بالتوازنات السياسية الكبرى التي ستتحكم بعمل الحكومة في مرحلة شديدة الحساسية والدقة، ولا سيما في ما يتعلق بسيطرة حزب الله وحلفائه على القرار في الحكومة العتيدة.
فهذه الحكومة ستكون حكومة السنوات الأربع الباقية من عهد الرئيس ميشال عون، ولا استحقاق دستورياً سيتكفّل بتغييرها. لذلك، تريد القوى العربية والدولية المناهضة ل حزب الله إبقاء الحكومة خارج سيطرته الكاملة، خصوصاً بعدما جاءت الانتخابات الأخيرة لترجح سيطرته على المجلس النيابي.
وهذه الحكومة هي الأداة العملانية لعهد عون الذي سيشهد أحداثاً واستحقاقات داخلية وإقليمية قد تغيِّر الشرق الأوسط بكامله. ومن البديهي أن يحاول كل محور إقليمي الاحتفاظ بأكبر مقدار من قرار السلطة في لبنان.
كما أن الحكومة العتيدة هي التي ستحضّر قانون الانتخابات المقبل، وتشرف على الانتخابات النيابية في ربيع 2022، أي قبل أشهر قليلة من انتهاء عهد عون. كما أنها ستشرف على الانتخابات البلدية في الفترة إياها. وفي الخريف، ستشرف على انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
وفي كل الأحوال، هي ستتحمّل مسؤوليات حاسمة في التعاطي مع ملفات النازحين السوريين والفلسطينيين والتسوية مع إسرائيل - على الأرجح - والانفتاح على دمشق - الأسد، وتحديد دور لبنان الإقليمي سياسياً واقتصادياً.

فلسفة تشكيل الحكومة
لذلك، يريد الحزب وحلفاؤه أن تأتي الحكومة ترجمة منطقية للتوازنات الجديدة في المجلس النيابي. وأما خصومه الإقليميون والدوليون فيريدون أن تكون الحكومة هي الكفة التي ستقيِّم الحدّ الأدنى من التوازن في مقابل المجلس.
إذاً، الخلاف هو على فلسفة تشكيل الحكومة، وليس على الحصص بين الأحزاب والقوى المحلية بالمعنى الضيّق للكلمة. أي، هل تكون الحكومة أداة طيّعة في يد النافذين في المجلس أم تشكّل الفرامل التي تكبح جماح قوى 8 آذار؟
وفي الترجمة، تريد واشنطن والقوى الغربية والسعوديون أن تكون لحلفائها من قوى 14 آذار المستقبل والقوات والكتائب وآخرون غالبية الثلث المعطّل داخل مجلس الوزراء، بحيث يمكنهم إحباط القرارات الكبرى والخيارات الاستراتيجية التي يعمل لها حزب الله وحلفاؤه، على أن يكون الوسطيون جنبلاط وآخرون ضمانة في مرتبة ثانية.
ويراهن الحريري على أن القوى الإقليمية والدولية ستتدخل لدى الأطراف الداخلية لتسهيل تأليف الحكومة بعد وصول الأزمة إلى حافة الانفجار. وعندئذٍ، يتحمّل الجميع مسؤولياتهم. ويحاول مراعاة الجميع ما يسهّل ولادة الحكومة. ولذلك هو يطرح على رئيس الجمهورية صيغاً حكومية مختلفة، وتطالب قوى 14 آذار وجنبلاط بحجم وازن، لكن فريق 8 آذار الذي يمتلك الغالبية النيابية يريد أن تكون الحكومة تحت سيطرته سياسياً. وقد بدأ بممارسة الضغوط لدفع الجميع إلى حسم الخيارات.
ولكن المؤكد هو وجود إجماع لدى كل القوى على أن المصلحة الوطنية تقضي بوجود الحريري، لا سواه، في السراي.
فالرئيس عون والتيار الوطني الحر مرتاحان للتآلف القائم مع الحريري. ولذلك، يحاول رئيس الجمهورية مساعدة الرئيس المكلف على التأليف وإزالة العُقد من أمامه. وهو يفضّل أن يكون عون هو شريكه لبقية العهد.
كما أن القوى الشيعية نفسها تفضّل الحريري، في السراي، خلال هذه المرحلة. فوجوده هو الأفضل للحصول على مباركة عربية واسعة للخيارات والقرارات المتوقعة. وفي أية حال، إن وجود الحريري في السلطة يشكّل ضمانة لاراحة الطائفة السنّية واطمئنانها إلى استمرار التسوية.
إذاً، العُقد الحقيقية سياسية، لكن ترجمتها تتم على مستوى داخلي، بحيث يبدو أن الخلاف متعلق بالحصص بين القوى والأحزاب داخل كل طائفة. وفي التفاصيل، وفيما التمثيل الشيعي في الحكومة العتيدة محسوم للثنائي أمل وحزب الله، هناك مصاعب في تمثيل المسيحيين والدروز. وأما التمثيل السنّي فلا يبدو عقدة مستعصية.
ويجري الرئيس المكلف مشاورات هادئة في كل الاتجاهات، خصوصاً مع رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي ميشال عون ونبيه بري، وكذلك مع مستويات سياسية وحزبية، ولا سيما رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من أجل تذليل العُقد.

ازمة القوات والتيار
عادت العلاقات إلى سابق عهدها من التوتر بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر بسبب الخلاف على التمثيل في الحكومة، ولكن أيضاً بسبب التنافر بين الطرفين داخل الحكومة الحالية، حكومة تصريف الأعمال، حول طريقة إدارة الملفات.
تطالب القوات ب 5 حقائب، من ضمنها نيابة رئاسة الحكومة أو وزارة سيادية، لأن ذلك يترجم التقدم الذي حققته في الانتخابات النيابية وحصولها على تمثيل ب 15 نائباً. كما يترجم اتفاق معراب المعقود مع التيار، والذي على أساسه أعلنت القوات دعم عون لرئاسة الجمهورية، والقاضي بأن تتقاسم مع التيار حصصاً متساوية في مجلس الوزراء.
لكن مصادر مواكبة لاتصالات رئيس الجمهورية قالت إن المناقشات تتركّز على إقناع القوات بأنّ حصتها هي 4 حقائب، من دون ان يكون من بينها نائب رئيس الحكومة. والحديث عن 5 حقائب ل القوات يعني 9 او 10 حقائب لتكتل لبنان القوي. وكذلك على تأكيد احتفاظ تكتل لبنان القوي ب 7 حقائب و3 لرئيس الجمهورية. لكن القوات تعترض على هذه الحصة، وتعتبر أنها هي أيضاً كتلة العهد.
وقالت مصادر التيار الوطني الحرّ انّ القوات تستثمر العهد والمصالحة وتفاهم معراب لتحقيق مكاسب غير محقة، وهذا ما بات يهدد التفاهم المسيحي ويعطّل عملية التأليف ويدخل البلاد في المجهول. وتساءلت هذه المصادر كيف تكون كتلة القوات حصة الرئيس وهي تنكر على الرئيس تمثيله في الحكومة ونيابة الرئاسة اللذين اقرّهما الطائف وطبقتهما كل العهود منذ 1990 وحتى اليوم؟
واضافت: اين التفاهم الذي يقول ان لا حصة للرئيس ولا نيابة رئاسة له، والذي تشير اليه القوات كلما ارادت تجاوز قواعد التأليف وحجمها النيابي وبالتالي المطالبة بحصة اكبر من حجمها؟ وهل تفاهم معراب عزز صلاحيات وموقع الرئاسة او حجّمها؟ وختمت المصادر: الحريص على العهد والرئاسة لا يضحي بتمثيل الموقع الرئاسي والمسيحي الأول في النظام ولا يعرقل العهد من خلال تعطيل حكومته الاولى بعد الانتخابات النيابية بمطالب يعلم القاصي والداني انها تتجاوز حجمه بكثير. ودعت المصادر قيادة القوات الى المحافظة على المصالحة والتفاهم المسيحي ضناً بالمسيحيين ودورهم والآمال التي وضعوها فيهما.
في المقابل، أعلن الدكتور سمير جعجع، بعد زيارته الرئيس الحريري في بيت الوسط، أن القوات ستوقِف السجال مع التيار الوطني الحر بهدف مساعدة الحريري. لكن مصادر القوات أوضحت انّ اتفاقها السياسي مع التيار نَصّ على تشكيل مجموعة تنسيق وزارية في أولى حكومات العهد للتنسيق في كل شاردة وواردة داخلها وخارجها. ولكن لم تُراع نسَب التمثيل في الحكومة السابقة، وقد تَخطّت القوات ذلك، لكنها لم تستطع تخطّي رفض التنسيق مع القوات والاستئثار بكل شيء.
ف القوات، تضيف المصادر، لم تكن على علم بأيّ شيء ينوي الوزير جبران باسيل طرحه على مجلس الوزراء، وحاولت مراراً وتكراراً أخذ المبادرة والطلب منه تنسيق المواقف قبل جلسات الحكومة، لكنها اصطدمت برفضه. فكيف يطلب من القوات دعم مواقف وخطوات اتخذها بمفرده ومن دون تنسيق، علماً أن القوات لم تكن لتقبل بها أصلاً لو طرحها عليها؟
وانتقدت القوات الخلط بين التيار والعهد. وأكدت أنها لم تتخذ موقفاً واحداً ضد العهد. ولكن هل المطلوب منّا مثلاً التصويت لملفات ضد قناعتنا وثوابتنا؟ الهدف من التنسيق المسبق كان الوصول إلى مساحة مشتركة وليس وضعنا أمام الأمر الواقع وفي ملفات تتعارض مع نهجنا ومسلّماتنا، ولعلّ المثل الأبرز في هذا المجال هو صفقة بواخر الكهرباء، فكيف يتم الربط بين الموقف من بواخر الكهرباء والموقف من تأييد العهد او عدمه؟ وألا يسأل التيار نفسه لماذا صَوّتت القوات من دون تردّد لصالح مراسيم النفط والغاز ولم تصوَّت لبواخر الكهرباء؟ بكل بساطة، لأنها لم تشتمّ رائحة فساد في مراسيم النفط، بينما لمست لمس اليد روائح فساد كريهة جداً هي وغيرها في صفقة البواخر.
واضافت المصادر: أمّا مرسوم التجنيس الذي يقول التيار إنّ القوات طعنت به رغم توقيع رئيس الجمهورية، فإنّ الرئيس عون نفسه هو أول من طعن به بعدما وقّعه، من خلال إحالته الى الأمن العام لتنقيته من مجموعة فضائح جرى دَسّها فيه.

عقدة التمثيل الدرزي
وأما في الجهة الدرزية فيبدو الوضع أكثر هدوءاً من الوضع في الجهة المسيحية. ويصرّ جنبلاط على أن يكون تمثيل الطائفة له وحده، فلا يُعطى ممثل للنائب طلال إرسلان. ولكن، وفق مصادر مواكبة، يعمل رئيس الجمهورية على إقناع جنبلاط بالتنازل عن تسمية الوزير الثالث، على ان يُصار الى التفاهم بشأن تحديد هويته.
لكن مصادر إشتراكية تصرّ على أن حصة الحزب الاشتراكي في حكومة الثلاثين هي 3 وزراء دروز، ولا تراجع عن هذه الحصة، نحن من نختار وزراءنا، ووزراء طائفتنا، ولا نقبل ان يختارهم او يعيّنهم احد من طوائف اخرى او من قوى سياسية طائفية تعتبر نفسها قوية او واسعة التمثيل الطائفي، ومَن يريد ان يعطي احداً ما أو يسترضيه فليدفع له من كيسه وحصته.
وطرحت فكرة تقضي بإعطاء جنبلاط تمثيلاً بوزير مسيحي مقابل وزير درزي بلا حقيبة يمنح ل الحزب الديمقراطي اللبناني برئاسة الوزير طلال ارسلان. الاّ انّ هذه الفكرة، التي اعتبرها من طرحها بأنها قد لا تجد ممانعة لها لدى جنبلاط، تبدو صعبة التحقيق في ظل التنافس الحاد على المقاعد بين التيار الوطني الحر والقوات على التمثيل المسيحي. والاستغناء عن الوزير المسيحي يعني انه سيذهب حتماً من حصة التيار، الذي لا يبدو انه في ظل هذا الجو التنافسي سيقبل بالتخلّي عن وزير مسيحي. فيما يتردد أن تمثيل إرسلان بالوزير السابق مروان خير الدين قد يشكل مخرجاً يقبل به الجميع.

بين بعبدا وبيت الوسط
وفي هذه الأجواء، ينتظر الجميع إيجابيات يحملها الرئيس المكلف إلى بعبدا التي قال زوّارها: ليس هناك ما يوحي بوجود تطوّر جديد حيال مجموعة العِقد التي باتت تتحكّم بعملية التشكيل التي بقيت على ما هي عليه.
وتقول مصادر بيت الوسط انّ العقد تجددت، وفسّر كل من نائب الأمين العام ل حزب الله الشيخ نعيم قاسم إحدى العقد التي ما زالت قائمة، ولا سيما في إشارته الى انّ الحكومة يجب ان تترجم نتائج الإنتخابات النيابية، وهو ما يعني إصرارهم على تمثيل سنّي من خارج تيار المستقبل.

بري: الحكومة متعثرة
ولم يعكس الرئيس نبيه بري أمام زواره اية أجواء تفاؤلية حول قرب تشكيل الحكومة. ونقل عنه انه لم يتلق أي اتصال في موضوع الحكومة، بل أمضيتُ يوماً كما أردته من دون منغّصات. واشار بري الى انه كان يأمل في ان تولد الحكومة قبل نهاية الاسبوع الماضي، ولكن الامور بَدت عكس ذلك، فقد وُعِدت بإيجابيات، ولكن يبدو انّ الامور وصلت الى مكان حال من دون ترجمة هذه الايجابيات وولادة الحكومة.
سُئل اين هي العقدة؟ فأجاب: العقدة ليست عندنا، بل هي في عهدة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف. أعتقد انّ السبب هو انهما لم يتوافقا بعد على الأحجام، ولم يدخلا في الاسماء. هذه هي حدود المشكلة، ولكن لا اعلم ان كانت هناك اسباب اخرى طارئة وجديدة قد ظهرت على حافة التأليف.
اضاف: أعود وأذكّر اننا في لقائنا مع الرئيس المكلّف اكّدنا له كثنائي شيعي اننا من باب تسهيل تأليف الحكومة، نحن مع ان تبقى لناحية الاحجام كما كان عليه الحال في الحكومة السابقة. ومن هنا كان طرحنا ب 6 وزراء: 3 ل أمل و3 ل حزب الله، وذلك بمعزل عن حجمنا النيابي الكبير. ويُشار الى انّ بري في صدد القيام بزيارة خاصة الى الخارج.
واستعجل حزب الله تشكيل الحكومة في أسرع وقت، وتحدثت معلومات عن إطلالة قريبة للامين العام للحزب السيد حسن نصر الله، سيتطرّق فيها الى عدد من المواضيع ومن بينها الشأن الحكومي. وجدّد نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم المطالبة بحكومة وحدة وطنية، معتبراً انّ الإسراع في تشكيلها مصلحة للجميع، ودعا إلى تمثيل الجميع بحسب حيثياتهم، وبحسب خصوصيات مناطقهم وعدم الإلغاء.
واكد البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي أنّ الشعب لا يريد الحكومة مؤلفة من أشخاص عاديين لتعبئة الحصص وتقاسم المصالح وإرضاء الزعامات، بل يريدها حكومة مؤلفة من وزراء يتحلّون بالكفاءة التكنوقراطية والمعرفة وروح الرسالة والتجرد والأخلاقية والتفاني.
وقال: إذا كان لا بد من تمثيل للأحزاب والأحجام، فليكن على هذا المقياس. ويجب عدم إهمال الأكثرية الباقية من خارج الأحزاب والأحجام النيابية، وفي صفوفها شخصيات وطنية رفيعة، يجب أن تكون جزءاً أساسياً في الحكومة العتيدة. وإذا كان لا بد من ألوان سياسية، فاللون المفضّل هو لون الوطن، دولة وشعباً ومؤسسات.
    قرأ هذا المقال   20483 مرة
غلاف هذا العدد