إختر عدداً من الأرشيف  
فؤاد دعبول

مشكلة الحكومة الجديدة هي الدستور!
كادت الحكومة ان تُولد، اواخر الاسبوع الفائت، لكن الولادة تعثرت. هل اصبح المولود بعيد المنال في العهد الجديد، ام ان الولادة هي مشكلة العصر، او الكارثة التي يتفاداها معظم الافرقاء؟
كان رئيس الحكومة المكلف تشكيل الحكومة يدرك انه في وادٍ، ومعظم السياسيين في واد آخر، الا ان الرئيس سعد الحريري صارح رئيس الجمهورية بأن لبنان يسعى الى الجمهورية الفاضلة لكن الفضل لا يعرفه ذووه، على قاعدة ما هو شائع في البلاد، وغريب عن الاصول وبعيد عن الواقع.
الا ان العماد عون يرئس جمهورية تبحث عن المستقبل، ولا يسعى الى جمهورية من الماضي القريب والسحيق، والا لكان تأليف الحكومات اكثر سهولة من تأليف التوافقات الهجينة في المفاهيم السياسية والمصالح الشخصية.
ذهب الرئىس صائب سلام في بداية عهد الرئيس سليمان فرنجيه في النصف الثاني من تشرين الاول/اكتوبر العام ١٩٧٠ الى زيارة صديقه العميد ريمون اده، ليبلغه، قبل سواه من السياسيين، انه اتفق مع رئيس البلاد الجديد، على حكومة معظم عناصرها من غير السياسيين، فسأله عميد الكتلة الوطنية، هل في البلاد وزراء من غير السياسيين؟ فرد زعيم المصيطبة بان الرجال يصبحون سياسيين لمجرد ان تسند اليهم مهام او مناصب في السلطة.

وقبل ان يغادر صائب سلام بيت العميد، بادره الاخير بان في لبنان مصنعاً للسياسيين ولو كانوا من اهل الخبرة، والتكنوقراط.
عندما صعد معظم الوزراء الجدد الى القصر الجمهوري، لتسلُّم قرار توزيرهم، سأل الوزير الجديد محمد كنيعو زميله وزير المالية الدكتور الياس سابا، كما ينوي فعله بعد توزيره، فاجابه بعفوية: سأترشح للفوز بمقعد نيابي في الكورة. وعندما ازف موعد الترشيح، طلب رئيس الجمهورية منه الانصراف الى مهمته في الحكومة الجديدة، لان المقاعد النيابية محصورة بمن اعطوا الحكومة فرصة تأليف الوزارة الجديدة من غير عالمهم السياسي. لكن، بعد مدة اصبح معظم الوزراء سياسيين.
كان الرئيس كامل الاسعد يتمشى في باحة القصر الجمهوري في اهدن، عندما سأل الرئيس سليمان فرنجيه عن حصص السادة الرؤساء في الحكومات المتتابعة، واجابه رئيس البلاد بان الجميع يسألوه عن حصصهم، لكن لا احد منهم يقول ماذا اعطى البلد من حصص، لان لبنان لا يقوم على اساس حصص توزع بين رجالاته وزعاماته، لان المطلوب دائما وغالبا هو ان يتنازل السياسيون عن حصصهم لصالح لبنان.
هل هذه هي العقدة نفسها، التي يواجهها الرئيس العماد ميشال عون في السنة الثانية من عهده، وتسبق حكومته الثانية.
ربما، يكون الجواب من تلقاء نفسه بان الجميع يريدون حصصا لانفسهم، ولا احد منهم يطلب حصة واحدة للوطن.
وهل هذه هي قمة العقد التي يسعى الرئيس سعد الحريري الى تفكيك رموزها.
يقول العارفون بالاسرار، ان تزايد العقد، سيدفع برئيس الجمهورية الى الوقوف امام عقدة واحدة هي حصة لبنان الضائعة بين الحصص. ذلك ان الرئيس حسين الحسيني، قال للرئيس فرنسوا ميتران، بعد لقاء عقداه في روما مع الكاردينال صفير، ان العقبة الكأداء بالنسبة اليه، هي التوفيق بين العقد، لان لكل فريق سياسي نهجا مغايرا لسواه، لكن للجميع ايضا عقدة اساسية هي حصة لبنان، لا حصة كل منهم.
عندما زار الرئيس نبيه بري فرنسا قبل ستة اعوام، حرص على زيارة قصرالاليزيه، وكان هدفه معرفة الحقيقة التي هضمها السادة الحاكمون قبله، فرد الجميع بان ثمة حكمة واحدة ظللت الجميع، وهي احترام الدستور، وتنفيذه وتطبيقه، لان الباقي مجرد تفاصيل.
والان، يسعى اركان الكتل النيابية الى تكبير حصصهم الوزارية، والجميع يريدون وزارات سيادية، ولا أحد منهم يتحدث عن حقائب خدماتية، وهذه نقطة ضعف عند الجميع.
وهذا هو الواقع القائم الآن، بين معظم الفئات، ويُروى في هذا المجال، ان ستة رؤساء حكومات اجتمعوا ورفعوا الى رئيس الجمهورية مذكرة واحدة: احترام الدستور وتنفيذه.
ويروي النائب والوزير السابق نصري المعلوف، ان السياسيين اختلفوا واتفقوا فيما بعد على طلب واحد: احترام القانون الذي يوحِّد بين اللبنانيين، ويقودهم الى الجمهورية الفضلى، الا وهي نسيان حصصهم الخاصة والاتفاق على حصة عامة واحدة هي احترام الدستور ونسيان كل شيء، لان البلاد لا ترنو الى موقف واحد، الا اذا كان هذا الموقف بعيداً عن المطلب الخاص.
أكثر ما اضحك الناس، هو ان السياسيين طالبوا جميعا بحقائب كانت في حوزتهم، لكنهم تجاهلوا ذلك، في غمرة البحث عن المصالح الخاصة لا العامة.
في العام ١٩٧٠، برز وزير شاب راح يجول العواصم الاوروبية، واصبح نجم حكومة الشباب وقام بارساء السياسة الخارجية للبنان على أسس جديدة مستوحاة من الأسس المعمول بها في الايام السابقة.
وعندما كرر رئيس الجمهورية تعيينه في وزارة الخارجية، سأله الرئيس صائب سلام عن سرّ اعجابه بالوزير الجديد، فرد انه وديعة غالية قدمها اليه سلفه الرئيس شارل حلو، وهو يعهد اليه في رئاسة العهد الجديد.
وتلك كانت عادة استمرت على مدى معظم حكومات العهود السالفة.
لماذا كان التأخير في تأليف الحكومة الجديدة.
ولماذا حلّت مشكلة الاستيزار مكان عقبة التكرار؟
لا أحد يملك جواباً واحداً، حول هذا الموضوع، لان لها جواباً حاسماً، الا وهو ترك المنافع الخاصة، وحصة الناس في الدولة الواحدة أهم من حصة كل وزير في وزارته.
    قرأ هذا المقال   2887 مرة
غلاف هذا العدد