إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

ترامب وسياسة المال:
تفكيك التركيبة الاميركية
ليس ما يبدو ارتجالا في قرارات الرئيس دونالد ترامب هو كذلك في الواقع، ولم يعد يكفي اللجوء الى التفسير السهل لتصرفاته المزاجية بالقول انه مجنون او أحمق على ألسنة معارضيه في اميركا والعالم وبعض حلفائه ومعاونيه. فلا الجنون وحده يفسر اشتباك ترامب مع حلفائه في قمة كيبيك لمجموعة الدول الصناعية السبع، وحرصه على فك الاشتباك في قمة سنغافورة مع عدوه زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون، والمطالبة بعودة روسيا الى موقعها في المجموعة التي كانت ثمانية قبل اخراج موسكو، ردا على ضمها شبه جزيرة القرم. ولا الحماقة وحدها تفسر فتح حرب تجارية مع اوروبا وكندا والمكسيك والصين والبرازيل بعد سنوات طويلة من رعاية اميركا لحرية التجارة من خلال منظمة التجارة العالمية.


في مقال نشرته النيويورك تايمس قارنت سوزان رايس مستشارة الامن القومي في ادارة الرئيس باراك اوباما بين ما يفعله ترامب وما يريده الرئيس فلاديمير بوتين: من اضعاف التحالف بين ضفتي الاطلسي الاميركية والاوروبية وتشجيع التطرف اليميني في اوروبا الى نزع صدقية اميركا في حماية اليابان وكوريا الجنوبية وكل الاعضاء في حلف الناتو وتحدي اصدقائه العرب في رفع منسوب الانحياز الى اسرائيل ونقل السفارة الاميركية الى القدس وامور اخرى. وكان تعليقها انه لو كان بوتين هو الذي ربح الانتخابات الرئاسية في اميركا او الذي يدير مباشرة السياسة الاميركية لما استطاع ان يفعل في خدمة مصالح روسيا ما فعله ترامب.

واقل ما قاله للصحيفة الاميركية مسؤول سابق في الخارجية هو ان ترامب فعل ما يريد الصينيون رؤيته من خفض وجودها العسكري في شمال شرق آسيا. اذ هو اعلن من دون استشارة البنتاغون وابلاغ الرئيس الكوري الجنوبي وقف المناورات المشتركة الاميركية - الكورية الجنوبية، ووقف طلعات الطائرات من طراز ب-٥٢ التي تحمل اسلحة نووية. وكان هذا لارضاء كيم جونغ اون الذي اصدر معه بياناً مشتركاً بدت تعهدات كيم فيه اقل من تعهدات اسلافه لاميركا من دون الاجتماع بالرؤساء الاميركيين خلال وجودهم في السلطة.
لكن ترامب اعطى تفسيراً آخر. اعتبر ان وقف المناورات العسكرية المشتركة المسماة العاب حرب يوفر كثيراً من المال. ولم يرَ في طلعات طائرات الب-٥٢ دورها الاستراتيجي، بل كمية ما تستهلكه من فيول، مدعياً انه يعرف الكثير عن الطيران.


وهذا ما يسمى مربط الفرس في سياسات الرجل. فالعامل الذي يتخطى القيم والمثل والتحالفات والشراكات الاستراتيجية هو المال. وترامب مثل اي رجل اعمال، كما يقول دبلوماسي اميركي لا يلتفت كثيراً الى كندا واوروبا واليابان، بل الى الاسواق الصاعدة في فيتنام والبرازيل والهند والصين. لا بل ان ريتشارد هاس رئيس مجلس الشؤون الخارجية والمسؤول سابقاً عن التخطيط السياسي في الخارجية الاميركية يرى ان الاهتمام الثابت لادارة ترامب ليس فقط خفض قيمة الحلفاء والتحلفات، بل ايضاً الحكم عليهم كراكبين مجانيين او كخصوم اقتصاديين او الامرين معاً. والنتيجة، حسب هاس، هي تدمير النظام العالمي الذي بنته اميركا لتقوية الأمن والقيم والازدهار، وبالتالي وقع مبدأ السيطرة المشتركة مكان مبدأ الاحتواء.


لكن ترامب الذي يرى الدنيا من منظار رجل العقارات والاعمال كشف وجه اميركا من دون رتوش وماكياج وحقيقة النظام من دون القيم والمثل التي يتغطى بها. فلا شيء يتقدم على الصفقات الرابحة في النظام الرأسمالي. ولا حماية من دون ثمن. ولا الاوروبيون والكنديون بالنسبة الى ترامب سوى مستغلين لاميركا، لا يأبهون بمنتجاتنا الزراعية ولا يأخذون ما لدينا ويرسلون لنا ملايين من سيارات المرسيدس وال بي. ام. دبليو، وهذا غير عادل.
أليس هذا نوعاً من تفكيك التركيبة الاميركية، بحيث تخضع التحالفات والسياسات والحريات العسكرية للمال؟
    قرأ هذا المقال   2907 مرة
غلاف هذا العدد