إختر عدداً من الأرشيف  
فؤاد دعبول

مجلس نيابي جديد في نصوصه والقوانين
خرج الرئيس الشهيد رفيق الحريري من عند الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد ساعة ونصف الساعة من الحوار حول مستقبل الشرق الأوسط.
وعندما كان رئيس مجلس الوزراء اللبناني يودع القيصر الروسي طلب منه هذا الأخير، أن يُسلِّم باسمه على البطريرك كيريل لانه يكنّ له احتراماً كبيراً.
توقف الرئيس الحريري هنيهة، وبادر زعيم السلطة الجديدة في موسكو، بانه، يدرك منذ مدة ان أسوار الكرملين، وصلت اليه بعد سقوط عصر ستالين.
ضحك الرجلان وكان بينهما وداع صاخب قطعه زعيم قريطم بقوله: ليس في السياسة حكم دائم. المهم ان يأخذ السياسيون العبرة من الانتصارات والهزائم.
وطلب الرئيس رفيق الحريري من هاتفه الخاص، الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون الذي كان ينتظره في الفندق البقاء فيه مع الوفد الكبير الذي اصطحبه معه لأنه في الطريق الى بطريركية موسكو.
وضع الرئيس الشهيد سماعة الهاتف على مربضها، وقال لمرافقه ان في السياسة اياماً بيضاً وسوداً، لكن الثابت في معظم الأمور هو الانتصار على الاخطار. وأضاف ان الحاكم الناجح هو الذي يعرف كيف يأخذ العبرة من الأحداث، وان العبرة تكمن في جعل الحكم شبيهاً بالناس لا عدواً لهم.


كانت ذكرى هذا الحوار، تدور بعد صدور نتائج الانتخابات النيابية في لبنان عقب تسع سنوات من انتخابات الوصايات الغريبة على البلاد، وفي مثل هذه الامور، ينبغي للسياسيين، الاهتداء الى اسباب التغييرات السياسية، حيث لكل فريق مذاهبه والأفكار.
ويبدو أن رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، كان يدرك هذه الامور، ويتعظ من آراء والده الرئيس الشهيد، وان يعمد دورياً الى التغيير وتجنب التحنيط السياسي في بلد مشهود له تعلقه بكل جديد في الأساليب السياسية.
وهذا ما جعله يتبنى التسوية السياسية، التي حملت قبل أكثر من عام الرئيس العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، وكانت الانتخابات النيابية الأخيرة التي حملت بعض التغييرات في السلطة السياسية.
ادرك سعد الحريري هذه الأمور قبل الانتخابات، وفي أثناء الاعداد السريع للقانون الانتخابي الجديد، الذي يزعم بعض السياسيين، انه قانون هجين وغير مرضٍ ومفيد لمعظم الطبقة السياسية في البلاد.
ويرى النائب سعد الحريري انه تخلى عن معظم رفاق الصف، لأنهم تخلوا بدورهم عن المبادىء الأساسية للتغيير المطلوب، وعزف عن التعاون معهم في العديد من الدوائر الانتخابية.
وهو المبدأ الذي يتفق فيه مع الرؤساء في الحكم: العماد عون، ورئيس السلطة الاشتراعية نبيه بري واليه شخصيا. ولذلك، فقد ادرك صعوبة المعركة الانتخابية، واضطر الى ان يجوب المناطق اللبنانية من اقصى الشمال والجنوب مروراً باواسط الجبل. وهذا ما حصل يوم الاثنين الفائت، عندما افاق اللبنانيون على تركيبة جديدة للمجلس النيابي، شبيهة الى حد كبير بالناس، وليست غريبة عنهم.
وهذا الامر انعكس على اقوال رئيس الجمهورية، وفي تصرفات ومواقف رئيس مجلس النواب. وان دل هذا الوضع على شيء، فانه يدل على ان الناس تستمد واقعها والاراء، من تفكير الناس. فلا يكونون غرباء عنهم، وليس هم غرباء عن الناس الذين هم في مركز السلطة.
والتغيير مطلوب بالحاح عند معظم الشباب، ولعل فوز النساء، ولا سيما العناصر الجديدة خطوة شجاعة تنسجم مع ما يتطلع اليه الشباب من الجنسين في بناء المرحلة المقبلة.
صحيح ان التكتلات السياسية الكبرى، اخافت المواطنين، من احتمال هيمنة القوى الكبرى على القوى الصغيرة الحجم، والكبيرة في طموحاتها التجديدية، الا ان ارادة التغيير الجارفة، لا بد لها من ان تدع النوعية الحديثة تخطف الاضواء من الذهنيات البالية في المجتمع السياسي.
وهذا ما يدفع الان، العناصر الجديدة في المجلس النيابي الجديد، الى انشاء تكتلات نوعية ترمي الى احداث ثلاثة امور، بادىء ذي بدء:
اولا: المبادرة الى تأليف لجنة نيابية تأخذ على عاتقها مهمة جمع بعض القوانين التي اقرها المجلس النيابي السابق وتصحيحها من الشوائب والاخطاء، والمبادرة الى تعويم الحركات النيابية من الجمود الذي اعتراها في الفترات السابقة، ولا سيما في اثناء اقرار القوانين بسرعة ملتبسة شوهت من اهداف التغيير المطلوب.
ثانيا: تأليف لجنة نيابية من كبار الحقوقيين في المجلس النيابي العتيد، لاعادة النظر في بعض القوانين المجافية لمصالح المواطنين، وفي مقدمتها القانون الجديد للايجارات، والذي يصفه الرئيس نبيه بري بالقانون الجائر والذي بدأت مفاعيله التنفيذية تمهد لطرد الناس من منازلهم، وقذفهم الى الشوارع.
والهدف، ليس دفع المجلس الجديد الى خراب بيوت الناس من ذوي الايجارات الحديثة، كما فعل القانون السابق للايجارات الذي ادى الى خراب بيوت المالكين القدامى، بغية وضع صيغة جديدة، تنصف المالكين القدامى والمستأجرين الجدد، وجعل الانصاف بضم اصحاب الايجارات الجديدة، كما يهدف في الوقت نفسه الى انصاف قدامى المالكين من مختلف الفئات والطبقات.
ثالثا: وضع حصانة نيابية، تعمم الانصاف على المواطنين، وتحد من الظلم القانوني وتدفع المجلس النيابي الى ان يكون لاحقا المكان الملائم للشرعية القانونية المنزّهة عن الاغراض الفئوية والشخصية.
ويبدو ان الرئيس نبيه بري متفهم اصلا لهذا الواقع، ويريد من النواب الجدد، ان يحرروا انفسهم من الاخطاء الفادحة التي رافقت اعمال النواب، لئلا يكونوا تجارا او ممثلين لاصحاب الاستثمارات، بل وكلاء عن الشعب اللبناني في مختلف فئاته.
وهذا ما يسعى اصحاب الكتل الجديدة الى اقراره وتنفيذه في المدى المنظور.
    قرأ هذا المقال   392 مرة
غلاف هذا العدد