إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

الجبهة الثالثة الناقصة
في الحرب على الارهاب
الحرب على الارهاب ليست كاملة، وان بدت شاملة. ولا هي عنوان يمكن ان يختصر كل عناوين الازمات والصراعات في المنطقة والعالم. لكن هذا ما يبدو من خلال المسار العملي لثلاثة تحالفات تعمل على مكافحة الارهاب: تحالف دولي تقوده اميركا، تحالف رباعي تقوده روسيا، وتحالف اسلامي تقوده السعودية. فكل الاطراف في حرب سوريا تعلن ان الاولوية عندها هي لمحاربة الارهاب. ولكل طرف اهدافه استراتيجية او تاكتيكية مختلفة تحت عنوان الحرب على الارهاب.


والارهاب ليس واحدا. فما كان مقتصرا على داعش والنصرة حسب قرارات الامم المتحدة صار يضم كل خصوم الانظمة وروسيا واميركا واوروبا وايران وتركيا واسرائيل، واكثر الدول المتهمة بدعم الارهاب تقول انها من ضحاياه ورأس الحربة في مكافحته. تركيا المتهمة بدعم داعش والنصرة تغزو الشمال السوري بالتفاهم مع روسيا لمحاربة قوات سوريا الديمقراطية بحجة انها قوات كردية ارهابية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وزعيمه عبدالله اوجلان. ايران التي تضعها اميركا في خانة اكثر الدول الداعمة للارهاب تقول انها تتدخل عسكريا بشكل مباشر وعبر وكلاء في

العراق وسوريا للقضاء على الارهاب. اسرائيل التي تمارس ارهاب الدولة تدعي انها تحارب الارهاب. واميركا التي تقود التحالف الدولي للحرب على الارهاب تعتبرها طهران ودمشق صانعة داعش والارهاب وتتهمها موسكو بانها ترعى ارهابيين من داعش في التنف على مقربة من الحدود السورية - العراقية - الاردنية.


والنشاط واسع ومستمر على جبهتين من ثلاث جبهات في الحرب على الإرهاب. جبهة المكافحة التقنية التي شهدت مؤخراً مؤتمراً في العاصمة الفرنسية انتهى الى تشكيل تحالف باريس، وجبهة الحرب العسكرية والأمنية. الأولى شملت التنسيق في مراقبة المعاملات المالية وتمويل الجمعيات الخيرية والتمويل بوسائل الدفع الجديدة وتبييض الأموال. كما امتدت المكافحة الى ميادين الإنترنت والسجون والأماكن التي تبث منها الأفكار المتطرفة في سوريا والعراق وبلدان الساحل وأبرزها مالي. والثانية شهدت ولا تزال كل أنواع العنف في مواجهة عنف الإرهابيين، سواء عبر طائرات الدرون أو العمل العسكري البري ضد مواقع داعش والنصرة أو العمل الأمني والإستخباري لمنع تشكيل خلايا ارهابية وإحباط عمليات ارهابية قيد التحضير.


لكن النقص يتجلى في الجبهة الثالثة، جبهة الحرب الفكرية والثقافية والايديولوجية. فالجهات الأقسى في محاربة الإرهاب عسكرياً وأمنياً وتقنياً، تتردد في خوض معركة فكرية وايديولوجية مع المنظومة الايديولوجية التي هي جذور الإرهاب، منظومة الفكر المتطرف والتكفيري، فلا أحد يجهل لماذا يبايع داعش من بعيد شبان متطرفون ويقومون بعمليات ارهابية باسمه في ليبيا والصومال وتونس والجزائر والباكستان وافغانستان واميركا وأوروبا. والذين يتصدون لتنظيم الدولة الإسلامية يعترضون على دولة الخلافة الداعشية من باب الإشارة الى عدم توافر الشروط الشرعية لإقامة الخلافة. لكن ما يتجنبون الوصول اليه هو خوض معركة الحجج على نفي الحاجة الى اعادة الخلافة في العصر الحديث.
أولاً لأنها باتت مهمة مستحيلة. وثانياً لأن الخلافة الراشدية كانت مرحلة ضرورية بعد وفاة النبي محمد، وان شهدت اغتيال ثلاثة من الخلفاء الراشدين الأربعة. وثالثاً لأن الخلافة ليست الشكل الوحيد لحكم المسلمين، كما برهن الشيخ علي عبد الرازق قبل نحو مئة سنة في كتابه الشهير الإسلام وأصول الحكم.


ومن دون ربح المعركة على الجبهة الايديولوجية، فان الانتصارات على الجبهتين العسكرية - الأمنية والتقنية تبقى قاصرة على ربح الحرب ضد الإرهاب. أليس ما يخيف الجميع هو عودة داعش أو تنظيم أشد تطرفاً منه على الرغم من استعادة الأرض التي احتلها في العراق وسوريا؟ أليس الخطر هو قدرة التنظيم الإرهابي على استقطاب شباب وتجنيده للقيام بعمليات ارهابية يتم تبريرها بالتأويل المتطرف والتحريضي للفقه؟
    قرأ هذا المقال   401 مرة
غلاف هذا العدد