إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

أكد أن لبنان يواجه التحديات الأمنية في ضوء مستجدات المنطقة
اللواء ابراهيم: من التصدي للارهاب الى مكافحته
حتّمت معركة الجرود الشرقية وتحريرها من داعش والنصرة تغيير معادلة لبنان للمواجهة مع الارهاب، فانتقلت السلطات العسكرية اللبنانية من موقع التصدي للارهاب، كما كان يجري على مدى خمس سنوات مضت الى موقع مكافحة الارهاب، اي البحث عنه واستئصاله.
هكذا رسم المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم الصورة لمواجهة المرحلة المقبلة. حيث أكد في مقاله الافتتاحي للعدد التاسع والاربعين من مجلة الأمن، أن المعركة مع التنظيمات الارهابية أصبحت معركة أدمغة.
وجاء في المقال:
مع طرد تنظيمي داعش والنصرة الارهابيين من الحدود مع سوريا، يدخل لبنان طوراً جديداً من التحديات الأمنية، بعضها امتداد لما كان سابقاً، والبعض الآخر مستجد ناتج عن التغييرات المتسارعة، لا سيما في العراق والداخل السوري حيث تجري معارك وحروب في المناطق التي سبق ان سيطر عليها التنظيمان، فضلاً عن تحد عمره من عمر القضية الفلسطينية، عنيت اسرائىل التي تقوم بين الفينة والأخرى باطلاق تهديدات ضد لبنان او ادعاءات تشكل قاعدة تهديدات مستقبلية، وصولاً الى مناورتها الأضخم عند الحدود مع فلسطين المحتلة تمهيداً وتدريباً على حرب ثالثة ضد لبنان كما تسميها هي.
قد لا تكون التحديات طارئة في بلد تكيَّف معها، كونها التصقت بالكيان منذ نشوئه وقيامه، على صلات قوية بالخارج منذ زمن القناصل الى يومنا هذا، حتى صارت من طبيعة لبنان والممارسة السياسية فيه. واكبتها في ذلك هواجس داخلية بين الجماعات المكونة جميعها، وهي مخاوف لم تكن مبررة في يوم من الأيام لو ان اللبنانيين آمنوا بفكرة الدولة الضامنة وسعوا اليها.
الآن انتقل لبنان من موقع التصدي للارهاب الى مكافحته. لم يعد الاشتباك والتماس اليومي قائماً مع التنظيمين الارهابيين. كما ان مكافحة الارهاب ليست مقصورة اساساً على هذين التنظيمين، بل كانت تشمل شبكات التجسس الاسرائيلية وأجهزة البث التي تنشرها في الوديان وعلى التلال والجبال. المعركة الأمنية الآن صارت صراع عقول أكثر منها ميدانية. تستلزم آلية أكثر تطوراً من ذي قبل، لأن ابتعاد الخطر لا يعني زواله على الاطلاق، خصوصاً وأن حربنا هي مع تنظيمين عنيفين ولجوئهما الى الانتقام يبقى امراً قائماً متى تسنّى لهما أية ثغرة للنفاذ منها.

التهديدات الارهابية يمكن ان تحصل في أي مكان في العالم، وهي تحصل، لكن في لبنان يستلزم الأمر تنبّها أعلى لسببين:
الأولى: طول الحدود بين لبنان وسوريا، وبين الأخيرة والعراق، والتي لم تنته الحرب فيهما بعد، حيث هناك حضور مسلح وبيئات حاضنة، عدا عن امكان استغلال الارهابيين، من تنظيمي داعش والنصرة وغيرهما، هذه الحدود الواسعة والتضاريس الطبيعية للوصول الى الاراضي اللبنانية بطرق غير شرعية والتخفي فيها.
الثاني: يكمن في وجود أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري، وما لا يقل عن خمسمئة فلسطيني لاجىء على الاراضي اللبنانية. مع ادلة على انخراط ارهابيين وانغماسيين بينهم.
كما ان لبنان يبقى هدفاً اساسياً ل داعش والنصرة بسبب تكوينه الثقافي والحضاري وانفتاح جماعاته بعضها على بعض، ويزيد من احتمال استهدافه انه لم يوفر اية بيئة حاضنة لهذين التنظيمين. خلافاً لكثير من الدول العربية والاسلامية. صحيح ان هاتين العصابتين تواجهان هزائم عسكرية على أكثر من جبهة، لا سيما في سوريا والعراق، لكن هذه الهزائم لا تشكل نصراً نهائياً وفقاً للمعادلات الأمنية، لأن جدول أعمالهما العنفي والهمجي يقوم على ضرب العالم الحر والمتحضر. اللافت في هذا السياق ان تنظيم الدولة قد دعا أخيراً مناصريه الى عدم العودة الى ارض الخلافة، والمقصود بها العراق وسوريا، ما يعني أمرين:
أولهما، اقرار ضمني بالهزيمة العسكرية، وان العديد لم يعد مجدياً للحفاظ على الجغرافيا.
ثانيهما، وهو الأخطر ان المطلوب من مناصريه الانتقال الى الهجمات الانتحارية والتفجيرات والهجمات العشوائية حيث تسمح لهم الظروف والامكانات.
يجب ان لا ننسى للحظة آلية الحرب عند هذه الجماعات، فقد قُتل زعيم القاعدة الأكبر أسامة بن لادن عام ٢٠١١، ومع هذا استمرت الجماعات التكفيرية في التوالد والانتشار وصولاً الى ظهور مجموعة ارهابية اشد مثل داعش. لذلك، فان التحسّب في المرحلة المقبلة سيكون أعلى وأكثر حساسية، لأننا لن نسمح بأن يتمكن الارهابيون من بث الخوف والرعب في لبنان، ولن نسمح لهم بتهديد السلم والاستقرار.
مهمة مكافحة ارهاب داعش والنصرة مسؤولية، جسيمة في لبنان الذي يستضيف عدداً قياسياً من النازحين السوريين، والذين ثبت تغلغل انتحاريين وانغماسيين بينهم. لقد قمنا والجيش اللبناني بمهمات استثنائية، نوعية واستباقية، حمت لبنان من مجازر في حق المدنيين، وبكل ما تعني كلمة المجازر من معنى. مخيمات النازحين السوريين - ونحن هنا نقارب التحديات الأمنية مع التأكيد على أن الغالبية من النازحين ضحايا العنف في بلدهم ولا يمكن التعاطي مع قضيتهم من زاوية محض عسكرية أمنية - تشكل عبئاً أمنياً هائلاً، واستنزافاً على مدار الساعة. ذلك ان لبنان يستقبل عدداً من السوريين أكبر من الإتحاد الأوروبي بأسره، مع عدد سكان أقل من ١% من الإتحاد الأوروبي.
الصحيح والثابت ان اثر الحرب المباشرة في سوريا، وغير المباشرة في العراق، كان هائلاً ومتعباً، لا بل مضنياً، على كل المستويات الأمنية والاقتصادية والإجتماعية والبيئية والإنسانية حتى. لكن يجب أن لا ننسى اننا أول من عانى من الإرهاب المتأسلم في أواخر عام ١٩٩٩ في سير الضنية في شمال لبنان، ما ادى الى استشهاد ضابط في الجيش مع رفاقه، وذلك قبل أن تحصل اعتداءات ١١ ايلول/سبتمبر ٢٠٠١ في الولايات المتحدة الأميركية. صارت لنا مذ ذاك سيرة طويلة مع هذا الارهاب وادواته، بينما دول العالم بقيت حتى عام ٢٠١٥ حينما وضعت خطة عمل تحت عنوان منع التطرف العنيف تنفيذاً لاستراتيجيا الأمم المتحدة لمكافحة الارهاب، بينما تستخدم الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية مصطلح مكافحة التطرف العنيف.
الإختلاف بين المصطلحين يعني في الحالة الأولى العمل على الوقاية من التطرف، اي العمل الإستباقي، بينما في الحالة الثانية يعني استخدام الاجراءات الأمنية للحد من العنف. في الحالين الهدف منع الارهاب وإن اختلفت الوسائل. نحن في لبنان، بتعاون وتنسيق كاملين مع الجيش، وكذلك مع عدد من الدول الصديقة، نعمل على تحقيق الهدفين. أي المنع والمكافحة لحفظ لبنان من كتلة النار الملتهبة منذ نحو ست سنوات.
    قرأ هذا المقال   5637 مرة
غلاف هذا العدد