إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

ثمن كبير لمهمة مستحيلة
هي استعادة الماضي
ما الذي يجمع بين داعش وحزب البديل من أجل المانيا وحزب الجبهة الوطنية الفرنسية وجماعة بريكست في بريطانيا وأكاذيب دونالد ترامب وأساطير الانظمة الدينية؟ شيء واحد، بصرف النظر عن اختلاف المواقع وتعدّد البرامج: أجندة عنوانها استعادة الماضي. داعش أعلن بدء تحقيق الهدف الذي كان أساس نشوء جماعة الاخوان المسلمين وبقي محرك كل حركات الاسلام السياسي المتشددة، بعد انهيار السلطة العثمانية واعلان كمال اتاتورك الغاء الخلافة وهو اعادة دولة الخلافة. حزب البديل اليميني المتطرف الذي حصد ٩٤ مقعداً في الانتخابات الالمانية وأعاد شبح النازية الى البرلمان للمرة الاولى منذ سبعين عاماً، كان الشعار الذي رفعه زعيمه الكسندر غولاند هو سنستعيد بلادنا وشعبنا ونطارد ميركل. أجندة الجبهة الوطنية التي ترشحت على أساسها مارين لوبن للرئاسة هي إعادة فرنسا الى ما قبل الاتحاد الاوروبي. جماعة بريكست نجحوا في الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي لعودتها الى مرحلة ما دون استعادة الامبراطورية. دونالد ترامب لعب بعقول الاميركيين البيض في الطبقة العاملة باستعادة الوظائف، بوعدهم بجعل اميركا عظيمة ثانية. والانظمة الدينية في المنطقة تعمل لاستعادة ماضي الامبراطوريات.


لكن استعادة الماضي وهم كبير. أما الخوف من بروز القوى التي تعمل للاستعادة فانه ليس وهماً. وأما الواقع القاسي، فانه إجبار الشعوب على ان تدفع ثمن عجز الانظمة عن بناء الحاضر وتحضير البرامج للمستقبل. اذ كل ما تقدمه حركات الاسلام السياسي المتطرفة لاعادتنا الى الماضي البعيد هو العنف والقتل والتكفير. وكل ما يعد به حزب البديل هو ممارسة الغضب والخوف، الغضب من فتح ابواب المانيا امام مليون لاجئ معظمهم من سوريا، والخوف من المسلمين والمهاجرين الذين أخذوا في نظر النازيين الجدد مكان اليهود.
أهل بريكست لا يعرفون ماذا يفعلون بعد نجاح الاستفتاء الى حد أن الدعوات في بريطانيا الى العودة عن الاستفتاء للبقاء في الاتحاد الاوروبي ترتفع تدريجاً، الى جانب ما تقترحه رئيسة الوزراء تيريزا ماي من تمديد المرحلة الانتقالية الى اربع سنوات والتوصل الى نصف

بقاء في الاتحاد الاوروبي ونصف خروج منه. والرئيس دونالد ترامب يتخبّط في السياسات الداخلية والخارجية، بحيث عجز عن النجاح في أي مشروع داخلي مهم واندفع الى خارج الخطوط الحمر في السياسات الخارجية على حافة الحرب النووية مع كوريا الشمالية. وليس لدى الانظمة الدينية سوى المزيد من العنف والاستبداد والتحكّم بالشعوب وتغطية البؤس على الأرض بالوعود في الجنة.


والسؤال الكبير المقلق في المنطقة والعالم هو: ماذا عن الوجه الجديد الذي سيظهر فيه داعش بعد اقتراب دولة الخلافة الداعشية من السقوط؟ وهو في اوروبا بشكل خاص، الى أين تتجه المانيا؟ والجواب الشائع الذي تؤكده الوقائع هو ان الخلايا النائمة المرتبطة أو حتى غير المرتبطة تنظيمياً بداعش تتحرك لممارسة الارهاب في كل مكان. والجواب الحائر في المانيا واوروبا هو الخوف من مد حزب البديل الذي حصل على نحو مليون ناخب من الاتحاد الديمقراطي المسيحي ونصف مليون ناخب من الحزب الاشتراكي الديمقراطي و٤٠٠ الف ناخب من اليسار. فضلاً عن ان المستشارة ميركل تبدأ ولاية رابعة وهي بلا افكار جديدة بعد ١٢ سنة في السلطة، وان كان شعارها للناخبين: انتم تعيشون في أفضل المانيا.
لكن ظروف المانيا اليوم تختلف كلياً عن ظروف جمهورية فايمار التي سمحت للحزب النازي بزعامة أدولف هتلر الوصول الى السلطة. وما يحول دون وصول النازيين الجدد الى السلطة ليس قليلاً في الداخل، ولا في أوروبا التي يرى الخبراء ان استقرارها يمنع ظهور أشباح الماضي، وخصوصاً حين يرافق الاستقرار الاوروبي ثبات النظام العالمي.


ومهما يكن، فان الأضرار كبيرة. لا فقط بسبب الحروب في سوريا والعراق واليمن وليبيا وسواها، بل أيضاً بسبب وضعنا أمام خيار خطير بين استبداد الانظمة وتطرّف الايديولوجيا التكفيرية باسم الدين. وكل منهما كارثة تلغي الحاضر والمستقبل تحت كابوس العودة الى الماضي في عالم تضربه كوابيس استعادة الماضي.
    قرأ هذا المقال   176 مرة
غلاف هذا العدد