إختر عدداً من الأرشيف  
فؤاد دعبول

لا ثنائيات ولا ثلاثيات
كانوا ثلاثة في صدارة الحكم القائم: رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، رئىس مجلس النواب نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري. لكن لكل منهم موقفه الخاص، ورأيه المميز عن الآخر، في نظرته الى مستقبل البلاد.
وبهذا التنوع السياسي أمكن تجاوز عقدة السلطة، في عصر لا تتسلط فيه السلطة على الناس. ولا يتسلط فيه السياسيون على الحلول.
ويقول الرئيس حسين الحسيني ان البلاد لا تحكم الا بالتنوع السياسي، وانه عندما يصبح الحكم موحداً ضد الحلول المرجوة، يبطل الحكم الديمقراطي ان يكون طريقاً الى التعايش الحقيقي بين السلطات، لان المطلوب الان وحدة في التنوّع، لا وحدة في التسلّط، في ظل رأي واحد، يهيمن على البلاد والعباد.
ولعل ايجاد حل لمأزق الضرائب هو المطلوب للتخلص من ازمة الاستقرار السياسي.
صحيح، أن الاهتداء الى مخرج لهذه المسألة الصعبة، دونه اعتراضات من هنا وهناك، لكن الامعان في رفض الحلول هو المأزق الحقيقي لأصعب مشكلة تواجه البلاد. ولعل حكم المجلس الدستوري الذي اطاح بقانون الضرائب كما حددتها السلطة، أوجد مأزقاً بين الحل الحكومي والحل المجلسي الذي أوحى بوجود صراع جذري بين تقصير عمر المجلس النيابي، أو الابقاء على الموعد المحدد في التجديد الثالث الذي يستمر حتى ايار/مايو المقبل.
ويرى رئيس الجمهورية أن هذه المسألة، ليست مرهقة لأهل النظام، اذا ما أمعنوا في التطرّق الى كينونة البلد كواحة للحياة الديمقراطية، لان الركون الى رأي واحد لا مصلحة فيه لصيانة التنوّع السياسي.
ويعتقد العماد عون، أنه عندما اعطى فرصة طويلة، نوعاً ما، لبداية عهده الجديد، الذي يكاد ان يتجاوز عمره الاحد عشر شهراً، هو البديل من بداية عهده بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية والسيْر في طبيعة الحكم القائم، شريطة الحفاظ على استقلالية كل سلطة في ممارسة دورها السياسي في البلاد، الى آفاق محدودة..

وهذا يعني في نظر رئىس المجلس النيابي ورئىس مجلس الوزراء، ان الحكم اليوم يقوم على التنوّع السياسي لا على وحدانية الموقف الصادر عن جهة لا علاقة لها بظاهرة التنوّع السياسي في البلاد، كما كان سائداً عندما كان الرئىس السوري الراحل حافظ الاسد، يشدد على ان يكون لكل فريق سياسي، وجهة نظره المغايرة للآخر.
ويروى في هذا المجال، ان اركان بارزين في النظام السوري، كالسيد عبد الحليم خدام والعماد مصطفى طلاس، والعميد غازي كنعان قبل رحيله كانوا ينوبون عن القيادتين اللبنانية والسورية في خلق ازمة عناوينها تتراوح غالبا بين ترويكا الحكم او بين دويكا النظام، والثلاثي اصعب من ثنائي الحكم في اقرار تسويات سريعة، خصوصاً عندما كان يحلو للموفدين الاميركان ان يوافقوا على الحل المقترح في سوريا، قبل الموافقة اللبنانية.
ويقال ان الرئىس حافظ الاسد كان يحاور الموفد الاميركي روبرت مورفي خمس ساعات قبل الاهتداء الى حل، بعدما يكون الاميركي قد اتعبه الحوار.
ولعل مبادرة وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، الى الاتصال بنظيره وزير الخارجية السوري وليد المعلم في الامم المتحدة، مبادرة جديدة لاستعادة الحوار الغائب منذ خمس سنوات، بين بيروت ودمشق، لان الوزير باسيل والوزير المعلم كانا موجودين في ذلك الوقت في الامم المتحدة، ولا حاجة في نظر الوزير اللبناني الى طلب اذن من احد، من اجل التشاور مع نظيره السوري.
والحقيقة الغائبة في بعض الاوقات، ان ثمة اتفاقا بين الرؤساء الثلاثة عون وبري والحريري، على ان يحتفظ كل منهم بموقفه وبرأيه، وان يتفقوا افرادياً لا جماعياً على انقاذ لبنان من المماحكات السياسية، وهذا ما تجلى في اتصال رئيس المجلس النيابي برئيس الجمهورية وتهنئته على ما صدر منه من مواقف في الجمعية العامة للامم المتحدة، قبل انتقاله الى فرنسا، كمباحثات هامة مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وقبل عودته الى بيروت.
طبعاً، بعد استرداد النظام السوري لمعظم الاراضي السورية، لا بد من أن تكون الحقبة المقبلة مخصصة لترميم العلاقات التي انهارت او تصدعت بين بيروت ودمشق، خلال السنوات الخمس الماضية، لكن الامر يتطلب دقة في العديد من الخطوات، لان ظروفاً صعبة واخرى غير مؤاتية قد نشأت بين لبنان وسوريا. وهذه تتطلب المزيد من الروية، لان العلاقة بين الرئىس بشار الاسد والرئىس سعد الحريري شابتها عقد وظروف، وتبدلات احياناً في المواقع، ولعل هذه الامور تستدعي معالجات طويلة، وانتظاراً لبلورة المواقف بين بيروت ودمشق، ولا تتوقف على تطوير العلاقات وتحسينها بين الرئىس بشار الاسد وسعد الحريري، ولعل هذه باقية الى ما بعد الانتخابات النيابية في ايار/مايو المقبل.
وفي رأي مراجع اساسية في الحكم، بين لبنان وسوريا، ان الحقبة المقبلة تستدعي ترقباً ودرساً من الفريقين، لان ثمة اخطاء عديدة قد ارتُكبت، عندما زار الرئىس سعد الحريري دمشق، بعد وفاة والده الرئىس رفيق الحريري وحلوله ضيفاً على الرئىس بشار الاسد.
وفي المعلومات ان الاحقاد التي تجمعت من هنا وهناك، تتطلب بعض الانتظار الصعب لان لكل من الفريقين ظروفه واسبابه وملاحظاته وهذه ايضا بحاجة الى الوقت الكافي، لتغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة.
ويبدو ان سوريا الجديدة باتت مدركة ان العلاقة مع بيروت ينبغي ان تمر في مرحلة من الانتظار الهادئ.. من اجل تجاوز عقد واسباب كثيرة تجمعت في السابق.
كما ان هذه الامور، تتطلب ايضاً الانتظار لاجراء الانتخابات النيابية المقبلة، والاتفاق المرتقب على موعدها، خصوصاً بعد مطالبة رئيس المجلس النيابي بإجرائها قبل نهاية العام الحالي.
وفي رأي كثيرين ان وجود وزراء من حركة امل وحزب الله وتيار المردة والتيار الوطني الحر كفيل بترميم ما تصدع من علاقات وصلات بين الدولتين، ولعل زيارة وزيري امل وحزب الله والتيار الوطني قد تدفع في اتجاه عودة العلاقات اللبنانية - السورية، بعد حين الى امكانات التواصل.
    قرأ هذا المقال   222 مرة
غلاف هذا العدد