إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

طهِّروا الإدارة أولاً ثم كافئوها!
مطلوب تطهير الإدارة من خلايا الفساد النائمة... والواعية!
ما زالت سلسلة الرتب والرواتب تتأرجح بين المجلس النيابي والحكومة. وتمّ الاتفاق على تعليق البدء بتنفيذها الى أن تتأمّن لها الموارد، أي الضرائب. وربما يجتاز لبنان القطوع فيصبح قانون الضرائب الجديد سارياً من دون أن يتعرّض للطعن مجدداً، ولكن، هناك أسئلة خطرة يجب طرحها بجرأة: لماذا تمّ إقرار حقّ الموظف في القطاع العام بتحسين ظروفه، على حساب العاملين في القطاع الخاص؟
المعروف أن القطاع الخاص هو القطاع الديناميكي الفاعل، الذي يقوم عليه معظم الاقتصاد الوطني. وفي هذا القطاع لا مجال للخانعين والمترهلين إدارياً، كما أن أبرز الكفايات العلمية والمهنية والخبرات موجودة فيه، وكل خطأ في أية مؤسسة في القطاع الخاص، أو فساد أو هدر، يدفع الموظف ثمنها فوراً. وفوق ذلك، لا ضمانات للموظف في القطاع الخاص شبيهة بتلك الممنوحة للعاملين في القطاع العام. ففي أية لحظة، يمكن أن يفقد العامل في القطاع الخاص عمله، بلا تعويض أحياناً أو بالقليل القليل.
في المقابل، في القطاع العام، كل الزعامات السياسية أدخلت المحاسيب إلى الدولة كعمليات رشوة انتخابية حتى تفاقمت أعداد العاملين، وعمت الفوضى والفساد والهدر في الكثير من المواقع، ولا أحد يحاسب أحداً. وفي التقويم المهني والعلمي للكثير من موظفي القطاع العام - ومن دون تعميم طبعاً - هناك حالات فضائحية أحياناً. وكل ذلك مرفق بضمانات هائلة وتعويضات طائلة، ولا أحد يجرؤ على المسّ بمغاور الفساد والهدر، بل يكافأ أصحابها بمنحهم سلسلة رتب ورواتب من تعب العاملين الذين يعانون الأمرّين في القطاع الخاص.
في اختصار، السلسلة جاءت لتموّل الفساد في الدولة من جيوب الناس الكادحين في القطاع الخاص! وكان الأحرى أن يتم أولاً إطلاق ورشة لبضعة أشهر أو سنة يتم فيها تطهير الإدارة من الفاسدين والفاشلين، وبعد ذلك يجري منح السلسلة للمنتجين والمخلصين، وبمفعول رجعي، ولو لمدة عام. فعندئذٍ، يكون منطقياً أن تكافأ الإدارة النظيفة لأنها تستحق المكافأة.
هل المطلوب خلق مواجهة اجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، بين العاملين في القطاع العام والعاملين في القطاع الخاص، بحيث تبدو الطبقة السياسية هي الحكَم الصالح بين أفراد المجتمع المنقسم، بدل أن تكون هي المستهدف بحراك المجتمع المدني؟
لماذا لا تقوم الطبقة السياسية بتطهير الإدارة قبل منح السلسلة للعاملين في القطاع العام؟

الجواب واضح: هذه الطبقة تغطي فسادها بتحصيل السلسلة من جيوب الناس لا من أماكن الهدر والفساد المعروفة، وتمنحها للفاسدين من زبائنها في الدولة على حساب الأكفياء والأوادم في القطاع الخاص. إنها دورة فساد بفساد، هرباً من مواجهة النظافة واستحقاق التطهير.
ترى، ألا يحتاج لبنان لعملية تنظيف شبيهة بعملية تنظيفه من الإرهاب والخلايا الإرهابية النائمة؟ ألا يحتاج إلى تطهير من خلايا الفساد النائمة... والواعية من أعلى القمة إلى أسفل الهرم؟
أرسلت الحكومة إلى مجلس النواب ثلاثة مشاريع قوانين تتعلق بالسلسلة والموازنة والضرائب. وطلبت في أحدها الإجازة لنفسها تأخير تنفيذ القانون 46 المتعلق بسلسلة الرتب والرواتب حتى إقرار الضرائب، على رغم أن هذه الخطوة كانت مقررة ومتفقاً عليها في جلسة الحكومة الأخيرة، إلا أن وقعها على المستفيدين من أموال السلسلة كان ثقيلاً. والمشاريع هي:
- الأول: الإجازة للحكومة تأخير تنفيذ القانون 46 تاريخ ٢١/٨/٢٠١٧، رفع الحد الادنى للرواتب والاجور واعطاء زيادة غلاء المعيشة للموظفين والمتعاقدين والاجراء في الادارات العامة وفي الجامعة اللبنانية والبلديات واتحاد البلديات والمؤسسات العامة غير الخاضعة لقانون العمل وتحويل رواتب الملاك الاداري العام وأفراد الهيئة التعليمية في وزارة التربية والتعليم العالي والاسلاك العسكرية.
الثاني: تعديل واستحداث بعض الضرائب والرسوم.
الثالث: إضافة مادة الى مشروع الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2017.
وطلب الحكومة تأخير إعطاء زيادة غلاء المعيشة إلى حين تأمين الإيرادات يؤكد المؤشرات المقلقة للاقتصاد، وخطورة السير بالسلسلة من دون إيرادات. وإذا توقف العمل بالقانون لأشهر عدة، فإن العودة الى دفع الرواتب على أساس الجداول الجديدة مع مفعول رجعي سيكون موجعاً للخزينة وسيجعل المشكلة أكبر، اذ كيف ستتمكن الدولة من تسديد الأموال عن فترة لم تجبِ فيها ضرائب إضافية؟
ويؤكد الوزير محمد فنيش أن لا خلفية معينة لطلب الحكومة، وإنما أتى انطلاقاً من صلاحية الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة ولها حرية التصرف لأنها ستواجه انقطاع التمويل عن الخزينة، ما يتسبب بانعكاسات مالية ترتد على المداخيل والقدرة الشرائية، حتى لا تكون الدولة في موقع الاعطاء بيد والاخذ أضعاف باليد الاخرى. وشدّد على ان السلسلة حق للموظفين وبعدما دفعت عن شهر ايلول/سبتمبر اصبحت حقاً قائماً لا يمكن العودة عنه. أما تأمين التمويل فهو موضوع آخر فيما لو تم تعطيل التمويل.
وقد أثارت خطوة الحكومة استياء هيئة التنسيق والاتحاد العمالي العام اللذين عادا إلى التحرك على خط الحفاظ على مكتسبات السلسلة. وقال عضو هيئة التنسيق النقابية رئيس رابطة اساتذة التعليم الثانوي نزيه جباوي: قبض موظفو القطاع العام والمعلمون هذا الشهر رواتبهم على أساس الجداول الجديدة وفق السلسلة، لذا فإن أي تراجع عن هذا القرار مرفوض.
بدوره، استنكر الاتحاد العمالي العام خطوة الحكومة واعتبر أنها تحضر لمكيدة هدفها دفع العمال الى المطالبة بإقرار الضرائب والضغط عليهم ليكونوا في موقف الموافق على أية ضرائب تفرض على الطبقات الفقيرة وترحيل الحلول الى آجال غير مسماة واستنباط المشاكل في البلد بدلاً من اقرار الهدوء واحقاق الحق. ودعا الإتحاد العمالي العام بالتشاور والتنسيق مع هيئة التتسيق النقابية جميع العمال والموظفين والأساتذة إلى الجهوزية التامة للتحرك اللازم بدءاً من الإضراب العام والشامل، محذراً الحكومة من المضي في أمر كهذا.

إنتاج التسوية
إذاً، في الأيام القليلة المقبلة، سيكون لبنان أمام استحقاق حاسم في ملف سلسلة الرتب والرواتب. وقد أخذ رئيس الحكومة سعد الحريري على عاتقه شخصياً إنتاج تسوية لهذا الملف الساخن، بما يحفظ مصالح جميع المعنيين، أي الذين تشملهم السلسلة والهيئات الاقتصادية والدولة، ويحقق الاستقرار.
وأعلن الرئيس الحريري، بعد ترؤسه جلسة مجلس الوزراء، خريطة طريق لحلّ الأزمة تضمّنت صرف الرواتب ابتداءً من هذا الشهر للعاملين في القطاع العام، وفق الزيادات الجديدة، بالتوازي مع إحالة مشروع قانون معجل مكرّر على مجلس النواب يتضمّن تعديلات ضريبية على قانون تمويل السلسلة الذي سبق أن أبطله المجلس الدستوري، بما يراعي ملاحظاته، وتكريس التفاهم على صيغة لقطع الحساب تفتح الطريق أمام إنجاز موازنة 2017 سريعاً. وستجري ترجمة الشقّ المتعلق بالبرلمان في هذه الصيغة، أي قانون الضرائب، في أقرب وقت ممكن، ما يَضمن استمرار دفْع الرواتب الجديدة.
ويُفترض أن تتمظهر الترجمة في جلسة تشريعية يعقدها المجلس النيابي بعد إحالة مشاريع القوانين الخاصة بالتعديلات المقترَحة على قانون الضرائب، بناء على قرار المجلس الدستوري. وأشارت مصادر السراي الحكومي الى أنّ المشاريع المذكورة سلكت طريقها الى المجلس النيابي.
وقال رئيس مجلس النواب نبيه بري إنه ينتظر أن تُحال المشاريع المذكورة الى المجلس، لكي يُصار فوراً الى وضعها على سكّة التشريع. وهو سيدعو هيئة مكتب المجلس الى اجتماع لتحديد جدول الأعمال وموعد الجلسة العامة للسنة الحالية، للدخول الى الهيئة العامة لإقراره في الأيام المقبلة.
وبالتوازي مع إنجاز المشاريع الثلاثة، كثّفت الهيئاتُ الاقتصادية تحرّكَها وأعدّت ورقةً بملاحظاتها حول الضرائب وسلّمتها الى رئيس الحكومة سعد الحريري. وقال رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس إنّ الحريري كان مستمعاً ومتفهّماً للطروحات التي تقدّمت بها الهيئات، وجرى توافقٌ على ضرورة إجراء تعديلات في النظام الضرائبي اللبناني لكي يكون نظاماً صديقاً للأعمال وجاذباً للاستثمارات. وهذا المشروع يمكن تحقيقه في موازنة العام 2018.

اعتراض الهيئات الاقتصادية
وكشف رئيس اتّحاد الغرف اللبنانية ورئيس غرفة التجارة والصناعة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير أنّ النقطة الأساس المرفوضة هي الإزدواج الضريبي لأنه ضدّ الدستور، وهو لا يطاول فقط المصارف اللبنانية وإنما كل المؤسسات اللبنانية، مصرفية كانت أو مالية أو صناعية أو تجارية.
وتردّد أنّ ورقة الهيئات تضمّنت اقتراحاتٍ لتحسين الإيرادات من ضمنها إلغاء سقف الTVA. وبذلك يتمّ إغلاق باب من أبواب التهرّب الضريبي، إذ من المعروف أنّ البعض يعمد الى تقسيم شركاته، لكي يصبح رقم أعمال كل شركة أقل من 100 ألف دولار سنوياً، وبذلك تصبح خارج نظام الTVA. كذلك تقترح الورقة سنَّ قوانين لإلزام المتهرّبين من التصريح الضريبي بتسوية أوضاعهم في فترة محدّدة، مع فرض عقوبات قاسية على مَن يتخلّف. وبذلك، يضطر غير المصرّحين الى التصريح وإجراء تسويات تؤدّي الى مدّ الخزينة بعائدات مالية.

قانون للضرائب
لقد تجاوزت القوى السياسية قرار المجلس الدستوري بإبطال سلة الضرائب، وأعادت إدخال هذه الضرائب في صيغة معدلة، بالتكافل والتضامن بين كل هذه القوى، سواء منها المؤيّدة لمبدأ تمويل السلسلة من الضرائب، أو تلك التي كانت ترفض المنحى الضريبي لتمويل السلسلة.
والمخرج من المأزق يتلخّص بتعديلات شملت ثلاث نقاط اساسية: أولاً، تغيير عنوان القانون بحيث لا يكون مخصصاً لتمويل السلسلة، إذ لا يجوز تخصيص ضريبة بعينها لتمويل بند محدّد، وهذه النقطة كانت جزءاً من عملية الطعن بالقانون 45. وثانياً، تعديل المادة 11، وثالثاً تعديل المادة 17، والمتعلقة بوجود ازدواج ضريبي. وشمل التعديل فقط المهن الحرّة، فيما بقيت الضريبة على المصارف كما هي، لأنّ المجلس الدستوري لم يعتبر أنّ هناك خللاً دستورياً لناحية الضرائب المفروضة على القطاع المصرفي.
وكشفت مصادر مواكبة أنّ وزراء القوات اللبنانية حاولوا تسجيل موقف من خلال اعتراضهم على عدم تعديل المادة 87 المتعلقة بقطع الحساب، لإصدار الموازنات، وأنّ وزير الصحة غسان حاصباني خرج من الجلسة، وبعد مشاورات مع معراب، إكتفى وزراء القوات الآخرين بتسجيل التحفظ في محضر الجلسة، فيما سجّل وزيرا اللقاء الديمقراطي أيمن شقير ومروان حمادة تحفظهما على البند المتعلق بالأملاك البحرية.
وفي هذا السياق، قال مصدر وزاري إن وزراء التيار الوطني الحر تحفظوا بدورهم عن موضوع تسوية قطع الحساب وعن الطريقة التي اعتمدت لإحالة قطع الحساب الى مجلس النواب.
وكانت وزارة المالية أعلنت أنها باشرت بتحويل الرواتب للموظفين والأساتذة والعسكريين، وأنه تمّ الاتفاق مع مصرف لبنان على الإسراع في دفعها، وقال الوزير علي حسن خليل: كلامنا كان واضحاً منذ البداية. فهناك حق للناس على الدولة أن تؤمّنه من خلال السلسلة، وهناك حق للدولة ان تحافظ على استقرارها المالي من خلال مشروع ضرائبي تمّت المحافظة عليه. وقد كنّا إيجابيين بمقاربة كل صيغ المعالجة، وتمّ تصويب كل النقاش الذي حصل خلال الفترة الماضية وأخذ ابعاداً دستورية، وتقررت الامور كما رأيناها منذ البداية.
وأضاف: الموازنة ستقرّ وستنشر قريباً، وقد أرسلنا قراراً من مجلس الوزراء، وهو إضافة مادة تسمح بنشرها فور إقرارها.

المصارف تتحرك
واذا علقت الهيئات النقابية تحركاتها التصعيدية ربطاً بقرار الحكومة تنفيذ قانون السلسلة ودفع الرواتب، فإنّ تحرّكاً لافتاً سجلته جمعية المصارف التي عقدت اجتماعاً للبحث في ما استجَدّ على صعيد الضرائب، وخصوصاً تلك التي عمل مجلس الوزراء على تثبيتها وضمّنها مشروع القانون المعجّل الذي تمّ التوافق على إعداده وإحالته الى المجلس النيابي.
وبحسب المعلومات، فإنّ المصارف التي تخشى ممّا يسمّى الازدواج الضريبي، ترفض أن يُلقى عليها العبء الضريبي الثقيل، على نحو ما يتوجّه اليه بعض المعنيين في الدولة، وهي ستعدّ ورقة في هذا الاطار وترفعها الى رئيس الحكومة في موعد أقصاه بداية الاسبوع المقبل.

والمدارس تتخبط
ومع قرار الدولة دفع سلسلة الرتب والرواتب الى موظفي القطاع العام، عادت الكرة الى ملعب المدارس الخاصة التي ما زالت مصرّة على عدم قدرتها على دفع السلسلة وفقا لما تنصّ عليه وحدة التشريع التربوي في القطاعين العام والخاص. وأكد رئيس اللجنة الاسقفية للمدارس الكاثوليكية المطران حنا رحمة أن المدارس الكاثوليكية لم تدفع السلسلة لأن لا قدرة لديها على تمويل الزيادة في الرواتب من دون زيادة الاقساط المدرسية، وهو أمر لم ولن تلجأ اليه. ولفت الى ان المدارس الكاثوليكية لم تزد الاقساط المدرسية ولم تدفع السلسلة للاساتذة، بل دفعت الدرجات السنوية العادية ملتزمة القانون.
وفيما اشار الى ان المدارس الخاصة ملزمة، وفقا للمادة 13من قانون السلسلة رقم 46 التي تنص على وحدة التشريع، بدفع السلسلة لأساتذة التعليم الخاص، أمل في أن تستجيب الدولة للاقتراحات التي قدمتها المدارس الخاصة لوزير التربية والتي تنص على دفع الدولة فارق السلسلة أو دعم المدارس وتأمين الموارد لتمويل السلسلة على غرار ما قامت به من اجل تأمين موارد سلسلة القطاع العام، خصوصاً أن 70 في المئة من التلامذة يتلقون علومهم في المدارس الخاصة.
وبما أن موظفي القطاع العام تقاضوا السلسلة اوائل الشهر، يبقى أمام المدارس الخاصة لغاية أواخر تشرين الأول/اكتوبر لدفعها، أي إن أمامها مهلة شهر قبل انفجار الأزمة وبدء المواجهة في الشارع بين المدارس الخاصة ولجان الاهل من جهة، والحكومة من جهة اخرى لإيجاد حلّ يموّل السلسلة من دون زيادة الاقساط المدرسية، أو حلّ آخر يلغي مفاعيل السلسلة عن القطاع التربوي الخاص.

اقتراح بتعديل القانون
وفي هذا الاطار، يجهد القيّمون على المدارس الخاصة، لتغيير القانون الذي يوحّد التشريع بين القطاع التربوي العام والخاص، وتقديم اقتراحات قوانين لفصل هذا التشريع، إلا ان لوبي المدارس الخاصة لم ينجح لغاية اليوم في تحقيق هذا الهدف لسببين أساسيين:
- لم يفلح اللوبي في تأمين توافق سياسي بين الكتل النيابية أو حتى دعم أية كتلة منفردة لتقديم اقتراح قانون معجل مكرر لفصل التشريع بين القطاع التربوي العام والخاص.
- ترفض نقابة المعلمين في القطاع الخاص رفضاً قاطعاً فصل التشريع، لأنه يُلزم إدارات المدارس الخاصة تأمين جميع التقديمات التي يتمتع بها القطاع العام.
تبرز اليوم مجدّداً محاولات جديدة لإعادة تقديم اقتراح قانون معجّل مكرّر لفصل التشريع بين القطاع التربوي العام والخاص. وقد تمّت صياغة اقتراح القانون وأسبابه الموجبة، ويتم عرضه حالياً على النواب من أجل تبنّيه. ويشير الاقتراح إلى أنه على رغم تماثل دور المعلمين في المدارس الخاصة والرسمية من حيث الطبيعة والرسالة، إلا أن العلاقة التعاقدية التي تجمع بين المعلم والمدرسة الخاصة تختلف عن تلك التي تجمع الأساتذة في التعليم مع الدولة.
فالعلاقة الأولى خاضعة من حيث التوظيف للسياسات التي تعتمدها المدارس الخاصة والتي تختلف بين مؤسسة وأخرى بحسب الاهداف النهائية التي تلتزم بها وغاياتها المرجوة، وتتفاوت مستويات تلك الرواتب بحكم عوامل عدة شخصية وموضوعية.
كما تتأثر بحدود ما بقانون العرض والطلب في السوق، فيتحمل الاهل مسؤولية خياراتهم وتكلفتها، لكن لا يصحّ الزامهم بتحمل أعباء جديدة بسبب سلسلة عالجت مشكلة القطاع العام. لكن أحداً من النواب لم يبدِ حماسة تجاه هذا القانون ولم يوافق على تبنّيه، بسبب الحسابات الانتخابية ربما، ذلك ان اقتراح الفصل يغضب شريحة كبيرة من المواطنين في القطاع التربوي الخاص.
ولكن، يبقى السؤال: هل يؤدي اعتماد قانون جديد للضرائب، متجاوزاً الموازنة وقطع الحساب، إلى طعن جديد؟
يؤكد رئيس المجلس الدستوري السابق غالب غانم أن وضع الضرائب في إطار قوانين من خارج الموازنة يعرضها مجدداً للطعن. وقال: وفقاً للدستور فإن القرارات التي تصدر عن المجلس الدستوري ملزمة لجميع السلطات وحتى للقضاء، لذا يجب الالتزام بقرار الدستوري وتطبيقه بحذافيره حتى لو افترضنا انه يتضمّن مبادئ في غير محلها، وان عدم التقيد بهذه القرارات يجعل كل شيء مباحاً.
وعن السبب، في رأيه، الذي يدعو مجلس الوزراء إلى البحث عن حل خارج اطار قرار المجلس الدستوري، قال: البعض يرى انه من الممكن فرض ضرائب من خارج الموازنة، علماً أن إحدى مواد الدستور تجيز فرض نفقات معينة من خارج الموازنة. وفي هذا السياق، يؤكد غانم انه حتى لو اقر المجلس الدستوري مبدأ خاطئاً فإن قراره يقيّد السلطات جميعها ولا يمكن التنصّل منها، لأن في ذلك ليس فقط خروجاً عن الدستور، انما ايضاً عن السلطة الدستورية والقضائية.
وأضاف: ان قرار المجلس الدستوري واضح ويوصي بضرورة اقرار الضرائب من ضمن الموازنة، اما القرارات التي تصدر عن مجلس الوزراء فلا يتعاطى بها المجلس الدستوري انما هو يتقبل الطعون بدستورية القوانين الصادرة عن مجلس النواب فقط. وفي حال اتخذ مجلس الوزراء مبادئ عامة فلا مجال للطعن بها امام مجلس الشورى، اما في حال أصدر مجلس الوزراء مراسيم في هذه المواضيع فيمكن الطعن بها امام مجلس الشورى. ورأى غانم ان الحل بالنسبة الى المأزق الموجود يكمن على مستويين:
الأول: أن قانون السلسلة لا يزال نافذاً ولا يجوز لمجلس الوزراء ان يدور حول الموضوع ويثير جدلاً عما اذا كان نافذاً أو غير نافذ. فلا سلطة لمجلس الوزراء على القوانين.
ثانياً: من أين ستموّل السلسلة. فهذا الأمر يتعلق بالحكومة.
واعتبر الخبير القانوني بول مرقص أنه ليس هناك ما يمنع من اصدار قانون ينص على جباية ضرائب ورسوم، بشرط ان تسبقه موازنة عامة وقبلها قطع للحساب. لكن ثمة اتجاهاً حالياً لتعليق العمل في قطع الحساب عبر تعديل المادة الدستورية المتعلقة باشتراط قطع الحساب قبل اقرار الموازنة، بمعنى ان يعدل مجلس النواب الدستور لمرة واحدة تعليقاً للمادة الدستورية رقم 87 لأجل إجراء التسوية المالية، وهذا من شأنه أن يزيل الشرط الدستوري بأن يسبق قطع الحساب الموازنة، بشرط التعليل الكافي، وبشرط ان تعمد الحكومة والمجلس الى تعاون خالص بينهما على إجراء قطع الحساب بالنسبة الى السنوات الماضية وإعداد الميزانية اللازمة.
واعتبر مرقص أن روحية قرار المجلس الدستوري اتجهت نحو مواكبة الجباية بموازنة سنوية شاملة ولا يجوز تفسير قرار المجلس الدستوري بشكل نصّي ونمطي، فالمجلس الدستوري اكد على مبادىء تخلص الى اعتبار القانون المطعون فيه دستوريا ام لا، ولكنه لا يخلص الى نتائج أخرى او قرارات اخرى يجري التمسك بها نمطياً ونصياً، كأن يقال ان المجلس الدستوري اشترط ان تدرج جميع الضرائب والرسوم في الموازنة.
وأضاف: لا يمنع ان يكون هناك قانون في مكان ما في ظرف معين ينص على جباية الضرائب والرسوم، لكن يشترط ان يترافق هذا القانون بموازنة سنوية شاملة للدولة.
    قرأ هذا المقال   4833 مرة
غلاف هذا العدد