إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

التسوية اللبنانية في غرفة العناية... لكنها ليست في خطر!
سرّ صمود الحكومة: خوف القوى الداخلية من الفوضى
لا عودة إلى ما قبل تسوية 2016. فالجميع يحتاج إليها وممنوع أن يقوم أحد بخربطة الاستقرار اللبناني. هذا ما يؤكده مرجع سياسي في أوساطه، ويطمئن: اللعب سيبقى تحت الخط الأحمر. فلا تخافوا على لبنان. المنطقة كلها تغلي بأزماتها وحروبها، فيما نحن البلد الوحيد الذي ينعم باستقرار سياسي وأمني واقتصادي ومالي. وعندما جرّبت داعش والجماعات الإرهابية الأخرى أن تعبث باستقرار لبنان، وقف العالم كله إلى جانبه وحرَّر الأرض من الإرهاب.
هذا الكلام يستتبع أن مسار التطورات السياسية في لبنان سيكون آمناً في المرحلة المقبلة، ولو اشتدّت العواصف. فالحكومة باقية ولو تجاذبتها النزاعات من داخلها، والعهد سينجح ولو لم يكن الأمر مثالياً في عامه الأول.
هل هذه الصورة الوردية مبالغ فيها أم هي واقعية؟
المتفائلون يؤكدون أن السرّ يكمن في تقاطع المصالح والاقتناعات بين القوى الداخلية بأن التسويات هي التي تعطي الأرباح للجميع، وأن كل القوى مستفيدة اليوم من الحكومة التوافقية القائمة، بأشكال مختلفة، وسيكونون متضررين من سقوطها. كما يكمن السرّ في وجود رغبة إقليمية - دولية في إبقاء لبنان تحت سقف الاستقرار حتى انتهاء الأزمات في المنطقة، ولا سيما الحرب في سوريا، وأيضاً لضرورات وأسباب مختلفة.
لذلك، حكومة الرئيس سعد الحريري صامدة، وكذلك عهد الرئيس ميشال عون، والباقي تفاصيل.
ثمة مَن قال في الأيام الأخيرة: نخشى أن تكون التسوية التي جاءت بالرئيس عون إلى الحكم والرئيس الحريري إلى الحكومة، والتي قيل يوذاك إنها صُنِعت في لبنان، قد بدأت تفقد التغطية الإقليمية والدولية التي تتحكم عادة باللعبة في لبنان.
يعود البعض إلى ما قاله الدكتور سمير جعجع عشية التسوية عن أن إيران بقيت حتى اللحظة الأخيرة رافضة وجود رئيس في لبنان، وأن حزب الله انحشر في النهاية وذهب إلى انتخاب عون رئيساً للجمهورية، لئلا يخسر الحليف المسيحي.

ويتذكر هؤلاء أيضاً ما عبّر عنه حزب الله في تلك الفترة، إذ أوحى بأنه ليس ملتزماً في شكل مطلق بالرئيس الحريري في رئاسة الحكومة، وأنه تعاطى مع الأمر بليونة، تسهيلاً للتسوية التي احتاج إليها الحليف الماروني لبلوغ بعبدا.
والجميع يتذكر أن الحزب، بعدما سدّد دَيْنه للعماد عون، انصرف إلى مراعاة الحليف الأكبر داخل البيت الشيعي، أي الرئيس نبيه بري، الذي كان معارضاً لانتخاب عون حتى اللحظة الأخيرة، وأعلن أنه يتّجه إلى الجهاد الأكبر في العهد الجديد. وثمة مَن لاحظ أن علاقة الثنائي الشيعي بركنَيْ العهد الجديد، عون والحريري، تحكمت بها معادلة معكوسة. فهناك كيمياء بين بري والحريري، ولكن ليس بين بري وعون. وهناك كيمياء بين حزب الله وعون، ولكن ليس بين الحزب والحريري. وهذا التعاكس يترك بصماته على العهد وحكومته، وقد يكون أساسياً في أزماته، لأن من الصعب إيجاد الصيغة المناسبة والوسيط القادر على تمرير الكيمياء بين الجميع.
لقد رضخت الأطراف لمقتضيات صفقة إقليمية ودولية اعتاد اللبنانيون على مثيلاتها لإقرار التسويات، بمباركة المملكة العربية السعودية وقبول إيران للوساطات الفرنسية والأوروبية ودعم الولايات المتحدة. لكن البعض اعتبر أن إيران هي صاحبة المبادرة الحقيقية في كل ما جرى. فهي، من خلف الستارة، أوصلت حليفها الماروني إلى السلطة بدفع الخصوم إلى تبنّي ترشيحه. وهكذا بدأ حزب الله يفاوضهم على الشاردة والواردة ويطلب منهم دفع الأثمان مقابل موافقته على مطالبهم.

التسوية في غرفة العناية
هناك مؤشرات واضحة إلى أن الطاقم السياسي الذي أبرم الصفقة في نهايات 2016 يواجه اليوم خيارات صعبة. وفي عبارة أوضح، تقف قوى 14 آذار المنخرطة في الصفقة أمام تحديات حاسمة. فالوقت يقترب لكي تقرِّر: هل تستمرّ في اللعبة أم تخرج منها؟
والجواب عن السؤال ليس سهلاً على الإطلاق. فالتسوية التي جرى التوصل إليها آنذاك كلّفت 14 آذار الكثير من التنازلات حتى الآن. وربما لا يريد أحد أن يتحمل تبعات تطيير الحكومة وزعزعة الاستقرار السياسي المطلوب دولياً. ولذلك تفضل قوى 14 آذار التأني في الردّ على مساعي حزب الله للإمساك بالسلطة وإعادة ربط لبنان الرسمي بموكب الأسد وطهران، لعل الوقت يتكفل ببعض الحلول.
لكن حجم الضغوط يبدو أكبر من المتوقع. فكيف يتحمّل أركان هذا الفريق الاستمرار في الحفاظ على الجو الوفاقي، فيما يتمادى الآخرون في الاتجاه بلبنان نحو محور إقليمي معيّن. وتلتزم أوساط 14 آذار الصمت، حتى الآن، حرصاً على استمرار حدّ أدنى من التهدئة. لكنها تؤكد أن هناك أموراً لن تسكت عنها، إذا جرى التمادي في الحملة. فهي ترفض أن تكون كبش المحرقة في النهاية.
وبين الجدران الأربعة، تقول أوساط 14 آذار: المسألة بدأت بالحملة التي تعرضنا لها أبان معركة تحرير الجرود، والتي أوحت مصادر 8 آذار بمسؤولية الرئيس تمام سلام وفريقه السياسي عن أزمة العسكريين في عرسال وتغلغل داعش في المنطقة. وتقول: فتِّشوا عمن تسبب بمجيء داعش إلى لبنان، وعمّن استفاد منها محلياً وإقليمياً. فبيئة 14 آذار بقيت دائماً الحاضنة الحقيقية للجيش اللبناني. وفي اللحظة المناسبة، يجب أن تُكشَف كل الأوراق في هذا الملف، بكاملها ومن دون استنسابية.
ويبدو أن الهدف من الحملة كان الضغط على فريق معين لدفعه إلى تقديم التنازلات في مكان آخر، أي التسليم بتطبيع العلاقة مع حكومة الرئيس بشّار الأسد في دمشق. ما يطرح السؤال الآتي:
هل رفع حزب الله وحلفاؤه مستوى الضغط السياسي، في ملفات داعش والعسكريين، بهدف المقايضة: نطوي هذا الملف ونرفع الضغط والمسؤوليات في ملف عرسال شرط أن تمشي الحكومة في الطريق إلى الأسد!
في لحظة معينة، بدأت تخرج أصوات من داخل 14 آذار تقول إن أركان هذا الفريق يكادون يصلون إلى التأكد من أن تجربة التعايش التي أبرموها مع خصومهم، ليست ربّيحة لهم سياسياً إذا استمر مسار الحكومة الحالي. فصحيح أن المعارضة من خارج السلطة تبقى ضعيفة الفاعلية غالباً، لكن الصحيح أيضاً أن الرضوخ للعبة في الداخل له مفاعيل لا يستهان بها، لأنه يقود إلى الاعتراف بالإكراه والبصم على ما يقرره ذوو النفوذ.
ويضيف هؤلاء: الواضح أن حزب الله لن يتنازل عن سعيه إلى السيطرة الاستراتيجية على القرار السياسي في مجلس الوزراء. وفي المقابل، هو مستعدّ لترك الآخرين يتلهّون بالتفاصيل ويحصّلون ما أمكن من مكاسب متنوعة داخل مجلس الوزراء، وهذا أمر لا يزعج الحزب.
وقد عبّر الدكتور سمير جعجع عن تململ القوات من المسار الحالي للسلطة، سواء بالنسبة إلى الأداء، أو بالنسبة إلى الفجوات المتزايدة في مفهوم السيادة، ودفع لبنان إلى المحور الإيراني - السوري.
وجاءت تغريدة الوزير السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان على تويتر في توقيت مهمّ. فهو دعا اللبنانيين إلى أن يقرروا إذا كانوا مع حزب الله أو ضده. وجاءت الدعوات التي وجّهتها المملكة إلى قوى لبنانية أساسية، من 14 آذار، لزيارتها مكملة في إيضاح المسار.

العلاقات مع سوريا
وأكد الرئيس سعد الحريري أن الخلاف السياسي مستمر حول بعض المسائل الاساسية، ولا سيما حول العلاقة مع سوريا، وقال جازماً إنه ليس مستعداً للتعامل مع النظام السوري، لا من قريب ولا من بعيد، كما أنه لا يوافق على الاجتماع الذي عقد بين وزير الخارجية جبران باسيل مع وزير الخارجية السوري وليد المعلّم في نيويورك.
ويأتي كلام الحريري متوازياً مع جو من سوء التفاهم يسود العلاقة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، التي أبدت مصادرها أسفاً للانتقادات التي وجّهها الوزير باسيل اليها. وأوضحت أنها تجنّبت الرَد عليه في محطات عدة كان قد وَجّه فيها إليها انتقادات علنية، ولفتت الى انّ ما تقوم به اليوم ليس رداً، إنما هو توضيح لبعض النقاط التي أثارها حرصاً على الوضوح والشفافية.
ورداً على قول باسيل إنّ القوات لا تنسّق معه ترشيحاتها الانتخابية، قالت المصادر إن القوات حزب مستقلّ على غرار التيار، والتفاهم لا يعني إطلاقاً انّ التيار تخلّى عن حقوقه الطبيعية ولا القوات. وعلى الطرفين أن ينسّقا معاً الأمور الانتخابية، وهذا ما لم يحصل حتى الساعة. وفي أية حال، هناك الكثير من المواضيع التي كان قد تمّ التفاهم عليها، من ضمن التفاهمات العريضة، ولكن لم يحصل أيّ تنسيق مُسبق في شأنها بين باسيل والقوات.
وأكدت انّ مواقف القوات من محاولات التطبيع مع سوريا مثبتة، وأنها عارضت علناً وتكراراً زيارات الوزراء الثلاثة إلى سوريا، إنطلاقاً من رؤيتها لهذه المسألة التي تعتبرها خلافية، ولا ترى انّ هناك دولة سورية مُعترفاً بها على أرض الواقع، إنما مواقع نفوذ وتعدّد قوى. كما أن العلاقة مع نظام الأسد ستؤخّر، أو تمنع، عودة النازحين، وستضع لبنان في عزلة عربية شديدة وعزلة دولية كبيرة. ودور وزارة الشؤون الاجتماعية يقتصر على الاهتمام بالنازحين من الناحية الاجتماعية، وهي تلعب دور الوسيط بين الدول والمنظمات المانحة وبين اللاجئين. وأمّا الدور الأساس لعودتهم إلى ديارهم فعائد إلى وزارة الخارجية التي عليها ان تحصل على موافقة وتأييد ودعم الدول الأجنبية المعنية، وفي طليعتها الولايات المتحدة الاميركية وروسيا والدول المعنية كتركيا والأردن، لكي تصبح عودة النازحين ممكنة وواردة عملياً.

حكومة باقية حتى الانتخابات
ولكن، على رغم التأزم الظاهر، يؤكد المتابعون أنّ حكومة الرئيس سعد الحريري الحالية ستبقى الى موعد الإنتخابات النيابية المقبلة. فالخلافات الناشئة بين القوى السياسية التي تتشكّل منها، حول ملفات كثيرة، لن تصل الى حدّ الإنفجار، لا أزمة النازحين السوريين ولا أزمة الضرائب والسلسلة ولا مسألة تلزيم بلوكات النفط في المنطقة الإقتصادية الخالصة في البحر لتأمين الكهرباء. فالتسوية التي حصلت في نهايات 2016 قضت بأنّ أي طرف من القوى السياسية التي تنضوي في كنف هذه الحكومة لن يسمح بأن يقوم أحد على زعزعتها أو العمل على كسرها، الى حين إجراء الإنتخابات النيابية المقبلة وتشكيل حكومة جديدة.
وأكّدت الاوساط أنّ التوافق داخل الحكومة يعني احتواء كلّ الخلافات التي قد تحصل داخلها أو خارجها، والتي تعني بشكل مباشر القوى السياسية التي تتألّف منها. ويظهر ذلك من خلال مواقف الرئيس الحريري الاحتوائية، علماً أن هامش الحرية واسع جدّاً لكلّ فريق سياسي في الحكومة، على عكس ما يُصوّره البعض.
وتلفت أوساط متابعة إلى أن الانتخابات النيابية ستكون هي السقف الذي ستبلغه الحكومة، وربما يكون الرئيس سعد الحريري رئيس كل الحكومات في عهد الرئيس عون.
وفي أية حال، بدأ بعض الجهات الاستعداد للإنتخابات النيابية في أيار/مايو 2018، لأنّ المجلس النيابي المقبل هو الذي سيُحدّد الأحجام مجدّداً، ويُظهر من يمثّل الشعب تمثيلاً صحيحاً وفعلياً. كما أنّ حكومة ما بعد هذه الإنتخابات ستكون الحكومة الأولى والفعلية للعهد، على ما وعد الرئيس عون.
من هنا، تجد الاوساط بأنّ الأصوات التي بدأت تتحدّث عن فشل أو عن عدم تحقيق أية إنجازات حتى الآن، سواء على مستوى الحكومة أو على مستوى عهد الرئيس عون، ربما تسرعت في حكمها. والإستقرار الذي ينعم به لبنان، من خلال انتصار الجيش وقدرته على دحر الإرهابيين من الجرود اللبنانية على الحدود السورية يُعتبر إنجازاً للحكومة والعهد.
وتتوقع الأوساط أنّ تكون الأشهر المقبلة أكثر إنتاجية، إن على الصعيد الحكومي أو على مستوى مجلس النوّاب، حيث يرغب الجميع في إظهار سلوك يسوِّقهم في الانتخابات التي باتت على الأبواب.
    قرأ هذا المقال   4841 مرة
غلاف هذا العدد