إختر عدداً من الأرشيف  
فؤاد دعبول

التوافق والاتفاق الانتخابي
بين التوافق والاتفاق قصة تتكرر في معظم العهود، وان كان بينهما خيط رفيع لا يعرف احد متى ينقطع.
وهذه العبارة المقتضبة، تختصر قصة الصراع، على موعد الانتخابات النيابية في لبنان، على الرغم من ان المفكر السياسي محمد النقاش، قرر اكثر من مرة، ان الانتخابات النيابية لا تحلو من دون مناقشات.
في العام ١٩٧٠، وقف النائب الراحل الأمير مجيد ارسلان في رحاب البرلمان، ودعا زملاءه النواب الى احترام اللعبة البرلمانية، وفرض التجديد على الرئيس السابق فؤاد شهاب، بعد مرور ست سنوات على انتخابه رئيسا للجمهورية، وهذه هي المدة القانونية التي تبرر اعادة انتخابه، لكن الرئيس فرنجيه سأله، بعد تلك العبارة، هل يعني انني اذا ما ربحت المعركة الرئاسية، لن تتعاون معي؟ الا ان الزعيم الدرزي رد بانه يمثل طائفة اساسية في البلاد مع الاستاذ كمال جنبلاط، ولا بد ان يكون لكل منهما موقفه السياسي، والذي قد يكون واحداً او يكون مختلفاً، لكنني، عندما اتخد موقفي النهائي ستكون انت، اول من يعرف ما اذا كنت متفقاً معكم اوضدكم.
بعد الانتخابات الرئاسية، بقي الامير مجيد ست سنوات وزيراً في عهد الرئيس سليمان فرنجيه للدفاع حينا، ولوزارات اخرى احيانا.
في الحقبة الاخيرة، بقي امام مجلس النواب بضعة ايام محدودة، ليعرف نواب البرلمان، على اي قانون انتخابي ستجرى الانتخابات النيابية في لبنان، خصوصا بعد انقسام البرلمان عمودياً وافقياً على حقائق الصراع السياسي بين الكتل النيابية.
والرائج الان ان المجلس النيابي الحالي مدد لنفسه مرتين، ويصعب على الجميع، وان رغبوا - التمديد لأنفسهم مرة ثالثة. وللمرة الاولى، تبدو المرة الثالثة غير ثابتة، مع ان المعدل السياسي يقول ان الثالثة... ثابتة في معظم الحالات.
وللمرة الاولى تبدو امنية التمديد الجديد حلماً وليس واقعاً. وقبل ايام، من انتهاء ولاية المجلس النيابي الحالي، يسود اقتناع بان التمديد للمجلس حلم صعب، وان كان هذا الامر مرغوبا فيه، ولو على مضض سياسي في البلاد.
وفي البرلمان الان قناعة بان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، قال كلمته وسحب من المجلس ورقة التمديد او طرحها للمناقشة السلبية، اي من باب رفض ما هو متيسّر، باعتبار ان المجلس لم يضع قانوناً جديداً ولم يفسح في المجال، امام التمديد المكروه والمرفوض، فرصْة قابلة للحياة.

ولكن، للتمديد شرائع واصولاً في السياسة، وكذلك، فان للتغيير مبادىء واصولاً ينبغي احترامها قبل الاقدام على خطوة مغايرة.
كان الرئيس حسين الحسيني الملقب ب ابي الطائف مشهوراً عنه انه رأس جلسات الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني في مدينة الطائف السعودية، بعد انتهاء رئاسته للمجلس النيابي التي دامت بين العام ١٩٨٠ والعام ١٩٩٢، وعندما عرضوا عليه رئاسة مؤتمر الوفاق، اشترط ان يصار الى اختياره بالوفاق وليس بالتعيين، لانه كان رئيساً سابقاً للمجلس. يومئذ، انتخب المجلس النيابي النائب الشيخ امين الجميل والرئيس الحسيني، بعد مصرع الرئيس بشير الجميل، اثر مرور ٢١ يوما على انتخابه في المدرسة الحربية، لكن النائب ادمون رزق الذي اخذ المبادرة بترشيح الشيخ امين الجميل للرئاسة، رفض القرار الذي اتخذه حزبه، لان الرئيس السابق للمجلس انتخب قبل ايام رئيسين كتائبيين لرئاسة الجمهورية.
صحيح ان كامل الاسعد وضع وزنه السياسي ضد سوريا يومئذ من اجل تأمين الفوز للمرشحين الكتائبيين، لكن كامل الاسعد ذهب الى بيته، وفاز الحسيني برئاسة البرلمان، وهو يبرر فوزه بانه تم بطريقة ديمقراطية.
بعد اكثر من نصف قرن، تبدو اللعبة البرلمانية على المحك. ذلك ان العماد عون فاز برئاسة الجمهورية، بعد تأييد صارم من حزب الله ومعارضة صارمة ايضا من تيار المستقبل، الا ان اللعبة البرلمانية تبدو في بلبلة سياسية بعد قيام تحالفات متباينة من الاهواء والممارسات، اثر مواقف اتخذها تيار المستقبل بزعامة الرئيس سعد الحريري، وبروز تباينات ايضا في الوسط السياسي، بعد قيام التحالف الثنائي بين التيار نفسه وخصمه التقليدي حزب القوات اللبنانية، والملاحظات السلبية ل الثنائي الشيعي المؤلف من حركة امل بزعامة الرئىس نبيه بري وحزب الله بقيادة السيد حسن نصرالله.
وكما قبل عشرات السنين، كان حزب الاكثرية النيابية هو الذي يقرر مصير الانتخابات النيابية، ها هو حزب الله ومعه حركة امل وحزب القوات والتيار الوطني الحر الى جانب النظام الانتخابي النسبي، يذهبون بالانتخابات الى اتجاه سياسي مناقض لالتيار الاكثري ذي القاعدة السياسية المناوئة للتجربة الانتخابية الحرة وان بقيت بعض التفاصيل بحاجة الى تفاهم لا الى اتفاق.
والسؤال الان: هل يستفيق السادة النواب، على انتخابات وفق النظام النسبي ام يقول الناس ان على النظام البرلماني الف سلام وسلام؟
ويقول نائب بيروت الانجيلي ان لعبة نقل المقاعد الانتخابية لن تمر على خير، خصوصاً اذا بقي وزير الخارجية جبران باسيل متمسكاً بنقل المقعد الانتخابي من طرابلس الى البترون، واذا ما أصرّ سواه على نقل المقعد الانجيلي الذي شغله قبل عشرين عاما النائب المرحوم باسل فليحان.
والسائد الان ان اي مشروع قانون انتخابي جديد، لن يحظى بتأييد الاكثرية النيابية، لان القانون المعروف بقانون الستين وهو القانون النافذ والموضوع في عهد الرئيس فؤاد شهاب، والمجدد له في مؤتمر الدوحة قبل سنوات ليس قابلاً للتجديد او التمديد المحدود والقصير او الطويل.
وفي رأي الرؤساء عون وبري والحريري، ان القانون الانتخابي الجديد سيبصر النور، مع تعديلات طفيفة على مشروع القانون الانتخابي التمثيلي، لان النظام الاكثري، بطل ان يكون صالحاً في عصر الديمقراطية الشعبية.
وفي التجارب السياسية ان الديمقراطية ليست سحق الاقليات تحت مناظر الاكثريات الهزيلة حيناً والشاملة احياناً.
    قرأ هذا المقال   790 مرة
غلاف هذا العدد