إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

لعبة بوتين المعقّدة
مع ترامب واوروبا وفي المنطقة
الرئيس فلاديمير بوتين يشكو مما سماه روسفوبيا في الغرب الاميركي والاوروبي. وهو يرى ان نزعات العداء لروسيا مرتبطة بمساهمتها في انشاء عالم متعدد الاقطاب لا يروق للمحتكرين. لكنه يسخر من هشاشة اميركا واوروبا في الداخل، وهو يستعد لمواجهة قوة اميركا في الخارج. اما الهشاشة، فانها في المعارك الداخلية الدائرة حول المبالغة في دور موسكو في التدخل في الانتخابات الرئاسية الاميركية والفرنسية عبر القرصنة الالكترونية وبث معلومات مفبركة. اذ ينطبق على موقف موسكو قول منسوب الى الزعيم المصري سعد زغلول رداً على شائعة حوله: تهمة لا أنفيها، وشرف لا أدّعيه. واما القوة، فانها في نشر شبكات الصواريخ المضادة للصواريخ في شبه الجزيرة الكورية واليابان ودول البلطيق، بما يبدو كأنه تشديد الطوق حول روسيا. اذ الرد عليها سبقها في اوكرانيا لجهة ضم شبه جزيرة القرم الى روسيا، ثم في الانخراط المباشر في حرب سوريا، بحيث استعاد دور القوة العظمى لبلاده وحصل على قاعدتين بحرية وجوية على البحر المتوسط. والرد الذي يتلوها هو تعزيز القوات الروسية، لانها لا يمكنها الوقوف والاكتفاء بمشاهدة الآخرين وهم يعززون قدراتهم العسكرية على امتداد حدودها في اوروبا والشرق الاقصى.


لكن بوتين مستعد للحوار مع اميركا لدعم العلاقات الثنائية التي وصلت حالياً الى ادنى مستوى منذ الحرب الباردة. والمشكلة ان الرئيس دونالد ترامب، الذي يحقق الكونغرس والمحقق الخاص روبرت مولر في شبهة علاقات غير مشروعة بين اركان ادارته ومسؤولين روس ليس قادراً في هذا المناخ على تحقيق ما تحدث عنه خلال الحملة الانتخابية وبعدها وهو تحسين العلاقات مع موسكو. والمشكلة الأكبر ان بوتين يعرف الدرس الذي تعلمه الاتحاد السوفياتي عندما جرّه الرئىس رونالد ريغان الى سباق تسلح تحت عنوان حرب النجوم. اذ عجز الاقتصاد الضعيف عن تحمل كلفة التسلّح، وانتهى الامر بانهيار الاتحاد السوفياتي وسط محاولات الرئىس غورباتشوف لاعادة البناء والشفافية.

ومن الصعب على الاقتصاد الروسي اليوم ان يتحمّل كلفة سباق تسلّح. فهو أضعف مما كان عليه الاقتصاد السوفياتي. فضلاً عن ان الاتحاد السوفياتي كان يملك جاذبية قوية لليسار وقوى التحرر في العالم عبر القوة الناعمة الى جانب القوة الصلبة. اما روسيا اليوم، فانها تعتمد على القوة الصلبة وحدها من دون القوة الناعمة التي تفتقر اليها. اذ هي بلا ايديولوجيا، ولا اشتراكية بالطبع، حيث النظام نموذج لما يسمى رأسمالية الشلة او المافيا. لكن العداء لاميركا هو ما يدفع قوى يسارية وحتى قوى يمينية متطرفة في الشرق الاوسط واوروبا الى الرهان على دور روسيا ووقوف بوتين في وجه اميركا.


ولا أحد يعرف ما الذي يمكن ان يفعله او يقوله ترامب غداً. لكن الكل يتصرف على اساس انه يعرف ثوابت بوتين في السياسة الخارجية. فهو مارس بنجاح سياسة زرع الشوك على طريق اميركا حسب خبير روسي. ونجح ايضاً في تعليم الغرب درساً مهماً هو ضرورة التخلي عن القراءة الخاطئة في التفكير الجيوسياسي الروسي لجهة الدعوة الى ان تصبح روسيا بلداً ملحقاً باوروبا. فالخط التاريخي للتفكير الجيوسياسي الروسي هو ان روسيا قطب مواجه لاوروبا، لا مجرد جزء منها.
وليس امراً قليل الدلالات ان يحاول زعماء اوروبا، بعد الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما، وقادة ومسؤولون في العالم العربي وتركيا واسرائيل الحوار مع بوتين لتغيير موقفه من اوكرانيا ومن الوضع في سوريا، بلا نتيجة. اذ بقي الرجل على موقفه الاساسي، وان لجأ احياناً الى تنويع الخطاب. وهو يتخوف حالياً من خطر تقسيم سوريا مع ادراكه ان تقسيم سوريا أصعب بكثير من اعادة توحيدها.
لكن لعبة بوتين محكومة بالحاجة الى الشراكة مع اميركا بعد زرع الشوك على طريقها. فلا نهاية لازمة اوكرانيا والعقوبات على روسيا ولحرب سوريا وبدء اعادة الاعمار من دون الشراكة الروسية - الاميركية. والشراكة ليست مجانية.
    قرأ هذا المقال   806 مرة
غلاف هذا العدد