إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

إطمئنوا... لبنان لن ينفجر لا في 15 أيار ولا في 20 حزيران!
إطمئنّوا لبنان لن ينفجر لا في 15 أيار/مايو ولا في 20 حزيران/يونيو! هذا التطمين تطلقه مرجعية لبنانية تمتلك المعلومات الدقيقة، ومشهود لها في الكثير من التجارب، وهي تقول: الجميع يعرفون حدودهم، فليرفعوا السقف وليحاولوا تحصيل المكاسب، لكنهم جميعاً لن يجرؤوا على تخريب الاستقرار. فذلك خط أحمر دولي.
ولذلك، كل هذه الضوضاء السياسية ستزول، ولا داعي للخوف. هذا ما يقوله العارفون. واللعبة شبيهة بحلقة المصارعة، حيث اللاعبون موضوعون تحت مراقبة شديدة، ويحقّ لكل منهم استخدام الأسلوب الذي يريده لتسجيل أكبر عدد من النقاط، ولكن لا يحقّ لأحد استخدام الضربات المحرَّمة.
هذا التطمين يأتي ردّاً على المخاوف التي تجتاح العديد من الأوساط اللبنانية، حيث يُطرَح السؤال الآتي: ما هي احتمالات أن ينفجر لبنان سياسياً، بل أمنياً ومالياً، إذا انتهت ولاية المجلس النيابي من دون التوافق على قانون الانتخاب، وهل هناك ضمانات لمنع بلوغ هذه الكارثة؟
فالعديد من المتابعين يخشى أن يكون لبنان مكشوفاً على مواجهة خطرة، في الأسابيع المقبلة، تتخذ أبعاداً سياسية وطائفية ومذهبية، نتيجة انسداد الأفق على الحلّ السياسي وغياب الراعي الإقليمي للتسوية.
ما هي مبررات الخوف التي يبديها بعض الأوساط، وما مقومات التطمين المقابلة، وأي الاتجاهين هو الغالب في الأسابيع المقبلة؟
في ظل الكباش بين المحورين الإقليميين، إيران وخصومها، والكباش الأميركي - الإيراني مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، يسأل البعض: هل يمكن أن يُستخدم لبنان ساحة أو ورقة في الصراع الدولي - الإقليمي مع إيران أو إن هناك ضمانات توفر له الحماية؟
وهل يمكن أن ترفع إيران سقف المواجهة على الساحة الداخلية إلى حدّ تكرار تجربة 7 أيار/مايو 2008، بأشكال مختلفة، قبل 20 حزيران/يونيو أو بعده، كما سبق أن تبلّغ العديد من الأوساط في شكل غير مباشر، عبر أقنية مختلفة.
فصحيح أن أي فريق لبناني لا يمتلك القدرة على تحقيق توازن الرعب العسكري مع حزب الله، لكن خصوم إيران الإقليميين، ولا سيما المملكة العربية السعودية، خلعوا عنهم ثوب المهادنة التقليدية، وأظهروا استعداداً لمواجهة مفتوحة مع إيران حتى في عقر دارها. وفوسط هذا الجموح إلى المواجهة الإقليمية، ثمة مخاوف من انعكاسات على لبنان.

ويعتقد البعض أن أكثر ما يدعو إلى الخوف هو أن الساحة اللبنانية ليست ممسوكة بيد أي طرف يتكفّل بمنع الانفجار. فلبنان لم يتمكن من تعويض الوصاية السورية التي كانت ترسم له الصراعات والتسويات المضبوطة والموقوتة كلها على الطلب.
تحت الوصاية السورية، لم يكن لبنان يطمح إلى تجاوز الأزمة الوطنية الكبرى. لكنه أيضاً كان ممسوكاً وممنوعاً من الانفجار، بيد وكيلٍ حاصلٍ على وكالة عربية وأميركية.
بقيت المظلة السعودية- الإيرانية أو السعودية - السورية، منذ الطائف، هي العنوان الذي يصنع التسويات اللبنانية ويحميها، حتى في الفترة التي تفرَّد فيها السوريون بالسيطرة والنفوذ في لبنان 1990- 2005. والمثير هو أن القوى الداخلية - بما فيها خصوم دمشق - أثبتت عجزها عن الخروج من تحت المظلة في 2005، على رغم انسحاب سوريا عسكرياً من لبنان، فجددت الصفقة التي كانت قائمة في العهد السوري!
استند السوريون إلى وكالة الطائف، التسوية التي رعاها الأميركيون أساساً. لكن اغتيال الرئيس رينيه معوَّض أسقط الطائف الدولي - الإقليمي ورجّح الطائف السوري. ونجح الرئيس حافظ الأسد في إقناع واشنطن والعرب بأنه سينفّذ الطائف متوازناً، لكنه عملياً جوَّفه وعطَّله وزرع الشكوك بين الفئات والطوائف، واستبعد القوى المسيحية، لئلا يبلغ استحقاق الانسحاب من لبنان.
واستعان الأسد بالوسيط الأبرز في الطائف، الأحبّ إلى السعودية، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لإرضاء المحور العربي. لكن دمشق وضعت يدها على المشاريع وثروات البلد، مقابل أن يتخلّى لها الجميع عن القرارات السيادية. وأُخرِج الحريري من المسرح عندما فكَّر في الانتفاض سيادياً.
اليوم، يمكن القول إن الطائف السوري هو الذي يتعثّر بسبب التحوّلات الطارئة على المعادلة في لبنان وسوريا نفسها وفي الشرق الأوسط عموماً. وهناك فرصة للعودة إلى الطائف المتوازن، الدولي - الإقليمي، إذا اقتنع اللبنانيون أولاً بضرورة العودة إلى التوازن.
ومن القدَريات أن يواكب الأميركيون مع الجمهوري دونالد ترامب ملامح التحضير للتسوية اللبنانية الجديدة، على ركام الطائف القديم، بعد نحو ثلاثة عقود من رعايتهم لها، مع الجمهوري جورج بوش الأب.
المطلعون يقولون: صحيح أن لا وكيل إقليمياً للساحة اللبنانية حالياً، لكن قوى دولية فاعلة واقفة بالمرصاد لأي اهتزاز في الاستقرار اللبناني، ويضع الأميركيون ثقلهم لصيانة هذا الاستقرار سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وقد أرسلوا تطمينات مباشرة إلى لبنان: الفوضى ممنوعة أياً كانت الذرائع.
وصحيح أن أي طرف لبناني ليس متحمساً اليوم للدخول في مواجهة محلية جديدة، فإن كلمة السرّ الدولية مفادها أن التصارع السياسي على الحصص، ضمن معايير اللعبة الديموقراطية، مسموح، وأما التصادم فممنوع. والمطلوب أن يحافظ لبنان على استقراره وتماسكه ككيان موحّد إلى حين انتهاء الحروب في الشرق الأوسط ورسم الحلول المستقبلية. وسيكون للبنان دوره الإقليمي والدولي.
في هذه العناصر يكمن المغزى الحقيقي لليونة التي يسارع المعنيون بملف قانون الانتخاب إلى إبدائها تباعاً، بعد المواقف المتشدِّدة. فالرئيس نبيه بري بدّل موقفه من التمديد للمجلس، والسيد حسن نصرالله بدا أكثر حرصاً على معايير التوافق الميثاقي، والرئيس سعد الحريري يميل إلى المواقف الوسطية. وأما الرئيس ميشال عون فلا يبدو مستعجلاً للخروج عن صمته إلا لينطق بالتوافق.

عون وحزب الله
ويمضي الرئيس ميشال عون وفريقه في الدفاع عن حزب الله استراتيجياً، على رغم التباين السياسي داخلياً. ومنذ 11 عاماً، هو يراهن على زواج ماروني- شيعي سعيدٍ ومثمر، لا زواج مُتعةٍ قصير الأمد على الطريقة الشيعية، بل زواج عقلٍ طويل الأمد، على الطريقة المارونية.
وقد أوصل الرئيس عون إلى وفد التاسك فورس اللبناني - الأميركي الذي زاره في القصر الجمهوري أخيراً، رسالة شديدة التطمين إلى حزب الله: عندما يتعلق الأمر بمصير الحزب والطائفة الشيعية، أولويتنا هي الاعتبارات الوطنية لا المصالح الخارجية، أياً كانت.
هذه الرسالة لا تفاجئ الحزب، فهو يثق تماماً بحليفه على المستوى الاستراتيجي، وإن دارت أسئلة في بعض الأذهان حول مضامين الزيارة التي قام بها الوزير جبران باسيل لواشنطن أخيراً، والتي ربما كانت هي السبب الخفي للحملات الغامضة المصدر التي تعرَّض لها، لا مشاريعه الانتخابية.
بالمختصر: لن يرتكب عون وكوادره أية هفوة بالخروج عن تموضعه السياسي إلى جانب الحزب، ولو قيد أنملة. وعندما اختار عون الذهاب إلى تفاهم مار مخايل كان يدرك الأبعاد البراغماتية لخطوته. فمصلحته هي في الوقوف مع القوي الشيعي لا مع الضعيف السنّي. وهناك ثمار سياسية لا بدّ من أن يجنيها بالشراكة مع هذا القوي. لكن الرابية تنزعج من تصوير التفاهم وكأنه مجرد مصلحة: إنه زواج عقل وذو أبعاد استراتيجية مسيحياً ووطنياً.
في التدقيق، لا تتناقض النظرتان البراغماتية والاستراتيجية. فهل معيب أن يكون تفاهم مار مخايل صفقةً سياسية أيضاً؟
في زواج مار مخايل، قدَّم الماروني القوي إلى الشيعي القوي ما يحتاج إليه من تغطية وطنية في الداخل. فقبل 6 شباط/فبراير 2006، كانت خارطة التحالفات الطائفية كالآتي: المسيحيون والسنّة والدروز معاً في مقابل الشيعة. وهذه الصورة الفئوية مؤذية جداً ل حزب يرفع لواء المقاومة وطنياً وعربياً.
لكن الحزب يحتاج أيضاً إلى التغطية الخارجية. وعون الذي سبق له التغنّي بأنه الأب الروحي للقرار 1559، في أيلول/سبتمبر 2004، يستطيع الاضطلاع بدور فاعل في الحدّ من أضراره على الحزب أميركياً ودولياً. فهو قادر على استخدام الآليات والديناميات إياها التي استخدمها لولادة القرار، ولكن في اتجاه معاكس.
إذاً، أراد الحزب أن يحتمي بعون داخلياً ودولياً. وفي المقابل، أراد عون أن يحصل على دعم من الحزب يعيد التوازن الذي اختلّ في المرحلة السورية لمصلحة الآخرين، فيما كان عون والمسيحيون ضحاياه.
حصل الحزب على ما يريد طوال 11 عاماً، وقبض عون وكوادره ثمن هذا التموضع حصصاً في المجلس والحكومة والمؤسسات، ومكاسب هائلة على مختلف الأصعدة. واعتبر الحزب أن إيصال عون إلى رئاسة الجمهورية يجب أن يكون قمة ردّ الجميل، ومعه لا بدّ أن يشعر هو والمسيحيون بالاكتفاء.
لكن نظرة عون مختلفة تماماً. فهو يعتبر وصوله إلى الرئاسة بداية المسار لاستعادة التوازن المفقود، وليس نهاية له، ويرى أن من الضروري مراعاة الاعتبارات المسيحية. لكن "الحزب" يذكّره بأنه حريص على الاعتبارات الشيعية أيضاً.
التصادم واقع ولا أحد ينكره. فحسابات الحقل داخل كنيسة مار مخايل تختلف عن حسابات البيدر خارجها. والكباش في قانون الانتخاب هو جزء من كباش أكبر محوره السيطرة على القرار، وكثيرون يضعون أيديهم في هذا الكباش، فوق الطاولة وتحتها.
لا يرغب عون ولا حزب الله في التراجع لأن ما بعد المعركة ليس كما قبلها. لكنهما أيضاً لا يريدان الوصول إلى طلاقٍ لا يكون أبغض الحلال بل أبغض الحرام. فلا بديل لعون من الحزب إذا قرّر الخروج من التحالف، والعكس صحيح، والخسائر متبادلة.
ضمن المقايضة المعقودة في مار مخايل، يتعمَّد عون إرسال إشارات التطمين والدعم إلى الحزب في معركته مع الإدارة الأميركية، ومعه الطائفة الشيعية ككل وإيران. وفي اعتقاده أنه كلما رفع الصوت دفاعاً عن الحزب بات قادراً على رفع الصوت داخلياً، ورفع السقف إلى الحدّ الأقصى في قانون الانتخاب وسواه.
في المبدأ، قد يكون عون على صواب. فلا فرصة متاحة للفريق المسيحي أفضل من فرصة وجوده في الرئاسة، ولا ثمن يدفعه المسيحيون ل الحزب مقابل استعادة خسائرهم في السلطة أفضل من تغطيته وطنياً.
ولكن، هل الأرض ثابتة إلى هذا الحدّ في لبنان أم إنها دائمة الاهتزاز والتقلّب، بحيث تعيد ترتيب التوازنات في أية لحظة؟
في عبارة أخرى: هل تدخل على الشراكة المارونية- الشيعية اعتبارات محلية وخارجية، تؤدي إلى تبدّلات في المواقع؟
حتى اليوم، لا مؤشرات إلى ذلك. وهناك ورشة أشغال مفتوحة لصيانة التقاطع الثنائي عند مار مخايل. ولكن، قد يزدحم المتقاطعون هناك، بمشاركةٍ سنّيةٍ ودرزيةٍ أيضاً، وبتغطيات إقليمية ودولية. عندئذٍ، هل سيكون ممكناً فرز الشريك الحقيقي عن الشريك المضارب؟

دور أساسي للحريري
أولى علامات التنفيس لمأزق 15 أيار/مايو كانت تعطيل الرئيس سعد الحريري لانفجار كان سيقع في الجلسة التي كانت مقررة للتمديد في ذلك اليوم. والحملة التي شنتها قوى من 8 آذار عليه، متهمة إياه بتنفيذ انقلاب على الرئيس نبيه بري ومعه حزب الله والنائب وليد جنبلاط ليست في محلها، لأن الحريري يتمسك بموقع رجل الدولة المسؤول عن البلد، والكفيل بمنع أخذه إلى الكارثة.
وأساساً، لا يرتبط الحريري بالتحالف مع فريق 8 آذار. وحين تبنى ترشيح النائب سليمان فرنجيه ثم العماد ميشال عون، خرج الحريري عن منطق الحلف الرباعي الذي أدار البلد تحت الرعاية السورية حتى 2005، واستمرّ بَعدها. وهو اليوم يكرس الخروج منه.
ويقرأ هؤلاء المتابعون سياسة الحريري على أنها إعادة رسم لقواعد الاشتباك بين القوى داخل ما كان يسمّى الحلف الرباعي. وهو لا يرى غضاضة في الاستعانة بشريك من خارج التحالف لتدعيم موقعه، أي الشريك المسيحي، ويدرك أن الشريك الشيعي سيداري العلاقات مع السنّة والمسيحيين فيما هو يتعرّض لأقسى الضغوط الخارجية.
وباتفاقه مع عون - حليف حزب الله - أحرج الحريري قوى عدة ووفَّر لنفسه تغطية جديدة. وإذ تقبّل الرئيس بري هذه الصدمة، ترك لنفسه هامش الردّ لاحقاً في ملف الانتخابات النيابية. وكان حزب الله صريحاً بالقول إن بري يحظى بدعمه الكامل في المعركة الاستراتيجية الكبرى، أي الانتخابات النيابية. ولذلك، يمكن القول إن الجميع تواعدَ على الانتخابات.
لكن الحريري واضح في مواقفه. فهو يريد الاستمرار على علاقة جيدة مع بري وجنبلاط، ولا يريد أي تفجير لعلاقته ب حزب الله. لكنه في المقابل، يحاذر أن يستسلم لنهج حزب الله في السيطرة على غالبية القرار. وحتى اليوم، وجد الحريري أن الرئيس ميشال عون يحافظ على توازن سياسي مقبول، وأن التنسيق معه ربما يتيح تكريس توازن يعطِّل سيطرة أي فريق منفرداً.
ويقول البعض: ليس الحريري متضرِّراً من التمديد للمجلس النيابي لمدة عام كامل في 15 أيار/مايو، فهو أيضاً يحتاج إلى ترتيب انتخاباته بهدوء. كما أنه ليس "مُغْرَماً" بالخيار التأهيلي الذي أعلنه الوزير جبران باسيل، ويرفضه على الأرجح. ولو كان يعرف أنه قابل للحياة لما أعلن تأييده.
لكن ما فعله الحريري هو كبح جماح ماكينة حزب الله التي ستتحكم بالبلد، وبه، إذا أتيح لها كسر رئيس الجمهورية والقوى الداعمة له، وفرضت خيار التمديد للمجلس النيابي. وفي تقدير الحريري أن تعطيل اندفاعة القوى الشيعية سيؤدي إلى تهدئة اللعبة وإعادة طرح الخيارات الأكثر توازناً، ما يسمح له ولمجلس الوزراء بدور فاعل. وبعد ذلك، ستأتي الحلول الهادئة، في الفترة الممدَّدة تقنياً، وربما يكون ال60 نواة الخيارات المطروحة.

جنبلاط أميراً
على مجلس الشيوخ!
في هذه الأجواء، أين الدور التقليدي الذي لطالما اضطلع به الدروز، أي النائب وليد جنبلاط؟
في البيئة الدرزية يقولون: نحن نعيش واحدة من أسوأ مراحلنا. وحتى دور الوسيط الذي لطالما اضطلعنا به في السنوات الأخيرة قد تلاشى. فعندما اندلعت الحرب السورية، حاول النائب وليد جنبلاط أن يضطلع بدور الوسيط بين الأسد ومعارضيه، لعل ذلك يشفي غليله السياسي ويمنحه القدرة على رعاية الوضع الدرزي هناك. وقد سخَّر جنبلاط علاقاته الجيدة مع موسكو لهذه الغاية. ولكن تبيَّن أن الحرب أكبر من ذلك، وأن لها أبعاداً أخرى.
وفي لبنان، سقط دور الوسيط الذي حاول جنبلاط الاضطلاع به، بين السنّة والشيعة، كما فعل دائماً منذ العام 2005. فهذه الوساطة لم يعد لها مكان بعد مجيء عون إلى الحكم بصفقة مباشرة مع الحريري. ويحاول المسيحيون أن يكونوا في موقع جنبلاط التقليدي، بيضة القبان بين السنّة والشيعة.
اليوم، يجلس جنبلاط جانباً، متكلاً على أن صديقه الرئيس نبيه بري لن يسمح بالتضحية به في أية صفقة حول قانون الانتخاب، وأن قادة المسيحيين والسنّة سيحجزون له موقعاً. وهو منشغل بتدبير الصيغة الفضلى لإدخال تيمور إلى المجلس النيابي، من دون منافسين دروز إذا أمكن.
مثلاً، لا يُخفي بعض القريبين من جنبلاط قلقه من قانون انتخاب يمنح الفرصة لقوى درزية كي تدخل إلى المجلس وتشكل إزعاجاً لتيمور الطري العود في الزعامة، ومن هؤلاء مثلاً طلال إرسلان.
فهل يرغب جنبلاط هذه المرة في وجود المير طلال داخل الندوة النيابية أم لا؟ ويلاحظ البعض أن طلال لم يتلقّ دعوة إلى المشاركة في احتفال تقليد تيمور كوفية الزعامة في المختارة.
كما يخشى جنبلاط إقرار صيغ نسبية تؤدي إلى فوز شخصيات درزية كوئام وهاب في الشوف، إضافة إلى فادي الأعور، عضو تكتل التغيير والإصلاح، في بعبدا حيث هناك نحو 30 ألف ناخب شيعي.
ولا يخفي جنبلاط، على غرار القوى التقليدية في سائر الطوائف، خوفه من موجة المجتمع المدني في أية صيغة نسبية. ويقول خصومه إن أكبر نسبة مشاركة في الحراك المدني يسجّلها الدروز من أهل الجبل، حيث لا مؤسسات أنشأتها المرجعيات الدرزية الدينية أو السياسية، استشفائية كانت أو جامعية أو تربوية أو اجتماعية، كما هو الحال عند الطوائف الأخرى.
لكن مراهنة جنبلاط الحقيقية تكمن في إنشاء مجلس للشيوخ برئاسة درزي، أي برئاسته هو، بصلاحيات تقريرية في الشؤون المصيرية. وهذا المجلس، كما يريده جنبلاط، هو صاحب القرار الأول في رسم الخيارات الاستراتيجية. وطبيعي أن تعمل كل المؤسسات الأخرى تحت سقف هذه الخيارات المحدّدة والمضبوطة ميثاقياً، سواء في التشريع أو في بناء مؤسسات الحكم ومراقبتها.
وإذا وفِّق جنبلاط في تحقيق هذا الحلم، فربما يكون قد فاز بالجائزة الكبرى وأصبح الرجل الأقوى في الجمهورية. ولكن دون ذلك عقبات، أبرزها موقف الرئيس بري الذي يتمسك بأولوية المجلس النيابي على مجلس الشيوخ.
وكان بعض أركان الرئيس بري قالوا إن أبلغ الدلائل إلى أن رئيس المجلس يقدِّم التضحيات في سبيل بلوغ التسوية هو تشجيعه إنشاء مجلسٍ للشيوخ يمكن أن يأخذ منه جزءاً من صلاحياته. فعلى المستوى العملاني، مجلسا النواب والشيوخ يتكاملان.
طبيعي أن يحلم جنبلاط في أن يكون أميراً على لبنان الكبير، من خلال مجلس الشيوخ الذي هو المجلس الملّي. ولكن في عهد عون، يبدو أن الدروز والمسيحيين يتصارعون للحصول على جِلد الدبّ قبل اصطياده.
يتمسك جنبلاط بأن روحية مناقشات الطائف تناولت مسألة رئاسة مجلس الشيوخ كضمانة تعطى للدروز. وفي أي حال، في بلد تتحصن فيه الطوائف وراء المتاريس، يصبح مشروعاً أن تطالب طائفة مؤسِّسة للكيان اللبناني بضمانات لها. وليس كثيراً على الدروز أن يكون لهم موقع يوازي دورهم التاريخي في تأسيس لبنان.
وفي المقابل، هناك منطق في ما يطرحه الوزير جبران باسيل، مستنداً إلى ميثاقية المناصفة التي يعتمدها الطائف أساساً لكل بنوده. فهل يكون احترام المناصفة والميثاقية بأن تكون للمسيحيين رئاسة واحدة هي الجمهورية، في مقابل ثلاث رئاسات لسواهم هي المجلس والشيوخ والحكومة؟
إذا استمر الخلاف المسيحي - الدرزي على رئاسة مجلس الشيوخ، فهو قد يهدّد بخسارة الفرصة التي تبدو مؤاتية لقيام هذا المجلس، بما له من دور حيوي في رسم مستقبل لبنان.
ولأن القلّة تولِّد النقار، قد يكون منطقياً أن يتنازل كل من الطرفين: المسيحيون والدروز، للآخر، ويربحا معاً هذا الموقع الاستراتيجي على رأس مجلس الشيوخ. وأفضل صيغة للتنازل هي التداول على الرئاسة ونيابة الرئاسة، ولاية تلو الولاية، مع تشريع صارم يمنع التجديد لرئيس المجلس، كي يتاح وصول الرئيس من الطائفة الأخرى.
لم يكن أحد يتوقع أن يؤدي الانتعاش النسبي للدور المسيحي إلى تراجع نسبي للدور الدرزي. لكن القوى المسيحية والدرزية الناضجة والمجرّبة تدرك أن صحّة الدروز في لبنان من صحة المسيحيين، والعكس صحيح، وأن مراهنة أحد الشريكين على التذاكي أو الاستفادة من الظروف لتحقيق المكاسب من الآخر لا يمكن أن تنتهي إلا بخسارتهما معاً، عاجلاً أو آجلاً. إنه الجبل بكامل تاريخه ودروسه.

الرهان على الحوار
المراهنون على تنفيس الأزمة يقولون: في معزل عن زحمة المشاريع المتضاربة، والسيناريوهات الساخنة، سيتم التمديد تقنياً للمجلس قبل 20 حزيران/يونيو تحت عنوان يتم التوافق عليه. وسيتم تقدير المدة المطلوبة بأشهر ثلاثة أو خمسة أو بسنة. وخلال الفترة الممددة، ننتظر حواراً وطنياً يرعاه الرئيس عون في بعبدا، محوره ثلاث نقاط أساسية: قانون الانتخاب ومجلس الشيوخ واللامركزية الإدارية الموسعة.
وبناء على هذا الحوار، يتم التأسيس للنظام اللبناني الآتي، والمبني على أنقاض الطائف القديم. وربما تكون هنا فرصة لبننة الطائف للمرة الأولى.

تصعيد إيراني وضوابط أميركية
لكن الخائفين يقولون إن السقف الإقليمي للتسوية في لبنان قد انهار بسبب إصرار إيران على مشروعها للنفوذ في المنطقة. والقوى الإقليمية التي لطالما صنعت التسويات في لبنان - ومنها إيران - تخوض حروباً قاسية في ما بينها، يمكن اعتبارها حروب حياة أو موت، في سوريا والعراق واليمن وسواها. وليس في الأفق ما يوحي بعودة إلى التسويات.
لذلك، تريد هذه القوى من حلفائها استخدام كل الأسلحة المتاحة ووسائل المواجهة على رقعة الشرق الأوسط كلها، ومنها لبنان. ويعتقد خصوم إيران أنها راغبة في تشديد قبضتها للسيطرة على الوضع اللبناني في المرحلة المقبلة.
ويرى بعض المتابعين أن أبرز ملامح الخطة الإيرانية لم تظهر في التصعيد السياسي في ملف قانون الانتخاب فحسب، بل أيضاً خصوصاً في ملامح التصعيد ضد إسرائيل. وفي اعتقاد بعضهم أن حزب الله يرغب في استدراج إسرائيل إلى ضربة عسكرية في لبنان تتيح له الإمساك بزمام المبادرة في البلد، على غرار التداعيات السياسية التي أعقبت حرب تموز/يوليو 2006، والتي انتهت بالسيطرة على القرار في الدوحة، بعد 7 أيار/مايو 2008.
ويقول هؤلاء إن أية مواجهة مع إسرائيل ستؤدي إلى تنفيس الضغط الذي بدأت الإدارة الأميركية تزخيمه على الحزب والقوى الداعمة له، وستضطر القوى المحلية جميعاً إلى الدخول في المواجهة دعماً ل الحزب.
لكن هذه الأجواء تكبحها المعلومات المؤكدة عن ضوابط أميركية للعبة. فالوضع اللبناني تحت السيطرة والرقابة الأميركية مشددة. ويبدو واضحاً في هذا الإطار اندفاع رئيس الحكومة إلى الردّ سريعاً على جولة حزب الله الإعلامية الجنوبية بجولة جنوبية مقابلة، ومعه وزير الدفاع وقائد الجيش. فقد تبلّغ الجميع إشارة مفادها أن لبنان الرسمي لا يتبنّى سياسة إيران ولن يماشيها في أية خطوة تصعيدية.
    قرأ هذا المقال   4414 مرة
غلاف هذا العدد