إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

رئيس الجمهورية ميشال عون منحه وسام الأرز لمسيرته الحافلة والمهمة
رحيل آخر الكبار بين فناني الرسم الكاريكاتوري في لبنان
ستافرو جبرا رائد الكاريكاتور الساخر ترك الريشة للريح!
ركن جديد من أركان الفن الصحفي قد هوى... فخسرت الصحافة مبدعاً في فن رسم الكاريكاتور الساخر، وغاب آخر الكبار في هذا الميدان، الذي كان ركناً مهماً في الصحافة الورقية، ومع اضمحلال هذا الركن الرسم الكاريكاتوري تخسر الصحافة الورقية قلعة مهمة من قلاعها، ويزداد مصيرها قلقاً...
ستافرو جبرا، فنان كبير، خطا خطواته الاولى في دار الصياد فرسم لمجلة الصياد، التي نشأ على حلم سكنه منذ طلعته، بأن يعمل في الصياد وان تخرج على صفحاتها رسوماته، فكان له ما حلم به. ومن الصياد اتسع أفقه بعد أن اشتدت ريشته وصار اسماً في فضاء الصحافة. وفي عزّ عطائه كان ستافرو راقياً ووفياً لفنه وللمهنة التي عاش فيها من بين اللامعين فيها، حافظاً لكبارها مواقعهم، ومن شهاداته انه قال: إن ل دار الصياد فضلاً على الكاريكاتور في لبنان، وان العميد الراحل الكبير سعيد فريحه هو أول من أطلق الكاريكاتور الصحافي، الذي ولد على يديه في مجلتي الصياد والدبور.

عن عمر يناهز السبعين عاماً رحل المصور والرسام الكاريكاتوري المبدع ستافرو جبرا، بعد صراعٍ مع المرض تاركاً خلفه إرثاً ثقافياً وفنياً سيبقى راسخاً مع مرور الأجيال، ومدرسة في عالم التصوير والكاريكاتور عنوانها الفن والحرية والإبداع...
وقد شاءت سخرية الأقدار ان تخطف صباح الأحد الماضي من كان يسخر، برقي فني لا مثيل له ومن خلال رسوماته، من احوال البلد ناقلاً بريشته ومصوراً بعدسته ما قد تعجز عن وصفه الكلمات، عاكساً الظروف من حول العالم واصفاً إياها وصفاً فيه ما يكفي ويفيض من الذكاء والحنكة من خلال الفن البصري.
الحس الفكاهي وحب الحياة والفرح نقلها بريشته في رسومات حملت معها تناقضات المشاعر فبدت في الظاهر مضحكة وفي باطنها وجع وألم وحزن أو معاناة.
كان حلم ستافرو جبرا ان ينشر رسوماته في دار الصياد في بداياته، وقد تحقق حلمه حين عمل لفترة زميلاً في الدار في الصياد والأنوار والشبكة... من خلال رسومات ما زالت محفوظة في أرشيفنا.
كان يصنع الأخبار بأسلوبه الخاص الذكي بما يتضمنه من لطشات فكاهية الظاهر ولاذعة المضمون.

آمن بحرية الإعلام ولم يكن يهب احداً، فيعبر عن آرائه بحرية مطلقة وجرأة لا متناهية وفق لغة مشهدية أنيقة ترسم الواقع وفق تشريح فني متقن.
بدأ مسيرته في مجلة الصياد في العام 1967 وعمل بعدها في صحف ومجلات عدة منها: لوريان لوجور، المحرر، الانوار، الاحرار، صدى لبنان، الشبكة، الدستور، الجريدة، الكفاح العربي، موندانيتيه، ديلي ستار، البلد، تلفزيون الجديد وغيرها...
كما عمل في بعض الوسائل الإعلامية الاجنبية مثل دير شبيغل الالمانية، وواشنطن تايمز الاميركية، لوموند الفرنسية...
اسس مجلة سكوب الخاصة به والتي كانت تصدر بشكل شهري.
في مجال التصوير كان من أكثر المصورين احترافاً، فقد أحرز لقب شرف كواحدٍ من أفضل مصوري الحرب اللبنانية المعاصرين من مجلة فوتو الفرنسية.
ومن الألقاب التي حصدها ايضاً لقب صديق الأمم المتحدة كما نال جائزة العرب الأولى للتفوق عن موقعه الإلكتروني وميدالية الرسوم الكاريكاتورية في مهرجان وسائل الإعلام الثالث في بيروت في العام 2004...
حل ضيفاً على معظم مهرجانات الافلام الدولية للسينما في العالم ولا سيما مهرجان كان.
أسس نقابة مصوري الصحافة اللبنانية وكان رئيسها الفخري في العام 1992 وعضواً في عدد من النقابات، مثل نقابة رسامي الكاريكاتور والكتاب في الولايات المتحدة ونقابة الرسامين الفرنكوفونيين في فرنسا.
وكان ستافرو عضواً في لجنة تحكيم برنامج ستوديو الفن وبرز في البرنامج كشخصية محببة حيث كانت آراؤه يومها لافتة ولم تغب حينها كاميرته عن البرنامج، حيث كانت لفئة الكاريكاتور حصة في المنافسة وكان ستافرو خير محكم للمواهب في مختلف المجالات.
ستافرو العاشق للإعلام نقل هذه العدوى الى بناته الثلاث باميلا، اورنيلا وبريسيلا اللواتي يعملن في مجال التلفزيون وتحديداً في إطار الانتاج وتنفيذه على مستوى البرامج والإعلانات.
ومع انتشار خبر وفاة الفنان الكاريكاتوري سارع عدد من السياسيين والاعلاميين ونجوم الفن الى نعيه، كل بطريقته معربين عن حزنهم الشديد لفقدان احد اعمدة الفن الكاريكاتوري في لبنان والعالم العربي.
بحضور عائلة ومحبي واصدقاء ستافرو جبرا وعلى وقع فرقعات إضاءة الكاميرا وبريقها مشى نعش ستافرو الى مثواه الاخير في كنيسة القديس نيقولاوس للروم الارثوذكس في الاشرفية... هو الضابط والمحارب الذي حمل على مدى سنواتٍ سلاحه الخالد الذي رسّخ لحظات تاريخية مقاوماً بريشته الساحرة وآلة التصوير التي لم تفارقه يوماً، مودّعاً محبيه في آخر صورة له على الأرض تاركاً خلفه صوراً وأرشيفاً لن يقوى عليه الزمن وسيبقى محفوراً في تاريخ الفن والإبداع.
ومع رحيل الزميل ستافرو تستذكر الصياد الكبار الذين لمعوا في الرسم الكاريكاتوري في دار الصياد وغادرونا الى جوار بارئهم، وهم: خليل الأشقر، ملحم عماد وجان مشعلاني.
وفي مأتم رسمي وشعبي ودّع لبنان واهل القلم والريشة الفنان الراحل وقد ترأس الصلاة الجنائزية لراحة نفسه متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده، في كنيسة القديس نيقولاوس للروم الأرثوذكس في الأشرفية.
وألقى عودة عظة قال فيها: قال جان كوكتو: الإبداع معركة يخوضها الفنان ضد الموت ويكون فيها المنتصر. لذلك نتساءل: كيف كان العالم ليكون لولا الفن والإبداع؟
اليوم نودع كبيرا من لبنان، صاحب ريشة مبدعة وشخصية محببة وموهبة كبيرة، إمتهن إضحاك الناس في قلب الوجع.
نودع ستافرو جبرا الفنان المبدع خفيف الظل، مرح الروح، طفولي الابتسامة، الرسام الذي أراد، بالكاريكاتور والنكتة، أن ينقل الواقع اللبناني وأن يسلط الضوء على مكامن الضعف فيه أو الخلل، بغية لفت النظر إليه أو إصلاحه.
أضاف: كانت كلماته القليلة التي ترافق رسومه تحرض على التمرد وابتغاء الحرية والإنعتاق من كل نير. قد لا يخفى على أحد أن ستافرو كان عاشقا للحرية، وقد ساهم في خلق رأي عام يرفض الخنوع والإستسلام ويرنو إلى التحرر من كل قيد. ذكاؤه الحاد كان يوجه ريشته، وعينه الثاقبة كانت تلتقط التناقضات وترصد الهفوات التي، بإحساسه المرهف، كان يصورها وينتقدها من دون أن يجرح أو يسقط في الإسفاف، وقد مارس حريته إلى أقصاها فجاءت رسوماته وصوره متحررة من كل قيد، إلا الأخلاق التي تحلى بها ستافرو ولم يحد عنها يوما.
واردف: لم تقتصر موهبة ستافرو على الرسم. الصورة أيضا استهوته، ومن يعرفه يعلم أن الكاميرا لم تفارقه أبدا، حتى عندما كان يأتي إلى الكنيسة. رفيقته كانت حيثما حل. كأنه بها أراد التقاط اللحظة وتخليدها. وقد وثّق أحداث لبنان بكاميرته، ونال جوائز عديدة على إبداعاته.
وختم: سوف يفتقد اللبنانيون ريشة ستافرو ورسوماته. كذلك السياسيون والعاملون في الشأن العام، سيفتقدون من كان يوجه إليهم سهام نقده بروحه المرحة وفكره المتوقد.

وسام الارز للراحل
وبعد الصلاة، ألقى وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد نقولا تويني كلمة رئيس الجمهورية، وجاء فيها: حين تبكي الريشة او تضحك، تؤلمنا معها او تنتزع منا البسمة. إنها ريشة الفنان الراحل ستافرو جبرا، الذي غمسها في يوميات الوطن، فسخرت وآلمت وفضحت وعرت، وانتقدت وصرخت بصوت مقهور في وجه ما عشش في الثنايا من فساد، وتقهقر، ولامبالاة، فتحولت بحق الى صوت المواطن، وتعبير عن وجعه، واحلامه، وآماله الكبار، كل ذلك بنكهة الانتقاد المرح الذي عُرف به الفنان الراحل عبر رسوماته الكاريكاتورية وهي اللغة الاقوى والاكثر تعبيرا وذكاء في عالم الصحافة.
تقديرا لمسيرتك في الاعلام والفن، وبصماتك الضيقة، منحك فخامة رئيس رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وسام الارز الوطني من رتبة ضابط وكلفني فشرفني، ان اضعه على نعشك في يوم وداعك، وان انقل الى عائلتك واصدقائك ومحبيك، تعازيه الحارة، سائلا الله لك الرحمة ولعائلتك ومحبيك الصبر والعزاء.
وفي الختام ألقت ابنة الفقيد، باميلا جبرا، كلمة العائلة، وقالت: لانك فنان مبدع تعرف كيف تخلق من البسمة والصورة كلاما من دون ان تقوله. الكل ينتظرك لتقوم وترسم بريشتك نهاية على الارض وبداية حلوة في السماء، والكل يفتقدك ويفتقد رسائلك وضحكاتك، وستبقى حاضرا دائما معنا رغم غيابك بالجسد.

أسرة دار الصياد تتقدم بأحرّ التعازي راجية من الله الرحمة للفقيد والصبر والسلوان لذويه.


الصياد
    قرأ هذا المقال   3442 مرة
غلاف هذا العدد